سورة الأحزاب · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، فشق ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرا. فأراد الله أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويذهب عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا } أي: ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها، وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال. { فتعالين أمتعكن } شيئا مما عندي من الدنيا { وأسرحكن } أي: أفارقكن { سراحا جميلا } من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي. { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة } أي: هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لكن الله ورسوله والجنة، لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول الله بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه، { فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } رتب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول، فإن مجرد ذلك لا يكفي، بل لا يفيد شيئا مع عدم الإحسان، فخيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة كلهن، ولم يتخلف منهن واحدة، رضي الله عنهن. وفي هذا التخيير فوائد عديدة: منها: الاعتناء برسوله وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية. ومنها: سلامته صلى الله عليه وسلم بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له [الأحزاب: 38]. ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن من تؤثر الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة عنها، وعن مقارنتها. ومنها: سلامة زوجاته رضي الله عنهن عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عائشة، إني عارض عليك أمرا، فلا تفتياني فيه [بشيء] (1) حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله، وما هو؟ قال: "قال الله عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} .قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الحجر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة، رضي الله عنهن كلهن (2) . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به. قال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن (3) محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل علي فقال: "سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك". فقلت: وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني اختار الله ورسوله، فسر بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله (4) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قالت عائشة، رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: "إني ذاكر لك أمرا، فلا (5) عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك". …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 80] يا محمد {لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن} [الأحزاب: 28] يقول فإني أمتعكن ما أوجب الله على الرجال للنساء من المتعة عند فراقهم إياهن بالطلاق بقوله: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] وقوله: {وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] يقول: وأطلقكن على ما أذن الله به، وأدب به عباده بقوله: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، {وإن كنتن تردن الله ورسوله} [الأحزاب: 29] يقول: وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله وطاعتهما فأطعنهما {فإن الله أعد للمحسنات منكن} [الأحزاب: 29] وهن العاملات منهن بأمر الله وأمر رسوله {أجرا عظيما} [النساء: 40] وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة، أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا فيما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر عليه والرضا بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن. وقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة غارتها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٨٤) ↗التحرير والتنوير
[28- 29] يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يستخلص مما ذكره ابن عطية رواية عن ابن الزبير ومما ذكره أبو حيان في «البحر المحيط» وغير ذلك: أن وجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه لما فتحت على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم وكانت أرض النضير قبيل ذلك فيئا للنبيء صلى الله عليه وسلم حسب أزواج رسول الله أن مثله مثل أحد من الرجال إذا وسع عليهم الرزق توسعوا فيه هم وعيالهم فلم يكن أزواج النبيء عليه الصلاة والسلام يسألنه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير وقبل أن يكون له الخمس من الغنائم، فلما رأين النبيء صلى الله عليه وسلم جعل لنفسه ولأزواجه أقواتهم من مال الله ورأين وفرة ما أفاء الله عليه من المال حسبن أنه يوسع في الإنفاق فصار بعضهن يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر لحفصة ابنته أم المؤمنين: «لا تستكثري النبيء ولا تراجعيه في شيء وسليني ما بدا لك» . ولكن الله أقام رسوله صلى الله عليه وسلم مقاما عظيما فلا يتعلق قلبه بمتاع الدنيا إلا بما يقتضيه قوام الحياة وقد كان يقول: «ما لي وللدنيا» وقال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب» . وقد بينت وجه استثناء هذين في رسالة كتبتها في الحكمة الإلهية من رياضة الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه بتقليل الطعام. وقال عمر: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه من خيل ولا ركاب فكانت لرسول الله خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة للمسلمين» . وقد علمت أن أرض قريظة قسمت على المهاجرين بحكم سعد بن معاذ، فلعل المهاجرين لما اتسعت أرزاقهم على أزواجهم أمل أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم أن يكن كالمهاجرين فأراد الله أن يعلمهن سيرة الصالحات في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗