سورة الأحزاب · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفا من إجبارهم على ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، " {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} [الأحزاب: 20] قريش وغطفان "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٦) ↗التحرير والتنوير
وتعرف هذه المسألة بمسألة الموافاة، أي: استمرار المرتد على الردة إلى انقضاء حياته فيوافي يوم القيامة مرتدا. فمالك وأبو حنيفة لم يريا شرط الموافاة والشافعي اعتبر الموافاة. والمعتزلة قائلون بمثل ما قال به مالك وأبو حنيفة. وحكى الفخر عن المعتزلة اعتبار الموافاة على الكفر، وانظر ما تقدم في قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة [217] . والمعنى: أنهم لا تنفعهم قرباتهم ولا جهادهم. وجملة وكان ذلك على الله يسيرا خبر مستعمل في لازمه وهو تحقيرهم وأن الله لما أخرجهم من حظيرة الإسلام فأحبط أعمالهم لم يعبأ بهم ولا عد ذلك ثلمة في جماعة المسلمين. وكان المنافقون يدلون بإظهار الإيمان ويحسبون أن المسلمين يعتزون بهم، قال تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [الحجرات: 17] . [20] 20] يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لما ذكر حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض من فتنتهم في المسلمين وإذا هم حين مجيء جنود الأحزاب وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ثني عنان الكلام الآن إلى حالهم حين أنعم الله على المسلمين بانكشاف جنود الأحزاب عنهم، فأفاد بأن انكشاف الأحزاب حصل على حين غفلة من المنافقين فلذلك كانوا يشتدون في ملام المسلمين ويسلقونهم بألسنة حداد على أن تعرضوا للعدو الكثير، وكان الله ساعتئذ قد هزم الأحزاب فانصرفوا وكفى الله المؤمنين شرهم، وليس للمنافقين وساطة في ذلك. ولعلهم كانوا لا يودون رجوع الأحزاب دون أن يأخذوا المدينة، فتكون جملة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٣٠٠) ↗