سورة السجدة · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال قدرته بخلق { السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها الجمعة، مع قدرته على خلقها بلحظة، ولكنه تعالى رفيق حكيم. { ثم استوى على العرش } الذي هو سقف المخلوقات، استواء يليق بجلاله. { ما لكم من دونه من ولي } يتولاكم في أموركم فينفعكم { ولا شفيع } يشفع لكم إن توجه عليكم العقاب. { أفلا تتذكرون } فتعلمون أن خالق الأرض والسماوات، المستوي على العرش العظيم، الذي انفرد بتدبيركم، وتوليكم، وله الشفاعة كلها، هو المستحق لجميع أنواع العبادة. { يدبر الأمر } القدري والأمر الشرعي، الجميع هو المتفرد بتدبيره، نازلة تلك التدابير من عند المليك القدير { من السمآء إلى الأرض } فيسعد بها ويشقي، ويغني ويفقر، ويعز ويذل، ويكرم ويهين، ويرفع أقواما ويضع آخرين، وينزل الأرزاق. { ثم يعرج إليه } أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } وهو يعرج إليه ويصله في لحظة. { ذلك } الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة، الذي استوى على العرش العظيم، وانفرد بالتدابير في المملكة، { عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم } فبسعة علمه، وكمال عزته، وعموم رحمته، أوجدها، وأودع فيها من المنافع ما أودع، ولم يعسر عليه تدبيرها. { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: كل مخلوق خلقه الله، فإن الله أحسن خلقه، وخلقه خلقا يليق به ويوافقه، فهذا عام. ثم خص الآدمي لشرفه وفضله فقال: { وبدأ خلق الإنسان من طين } وذلك بخلق آدم عليه السلام، أبي البشر. { ثم جعل نسله } أي: ذرية آدم ناشئة { من مآء مهين } وهو النطفة المستقذرة الضعيفة. { ثم سواه } بلحمه وأعضائه وأعصابه وعروقه، وأحسن خلقته، ووضع كل عضو منه بالمحل الذي لا يليق به غيره، { ونفخ فيه من روحه } بأن أرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، فيعود بإذن الله حيوانا بعد إذ كان جمادا. { وجعل لكم السمع والأبصار } أي: ما زال يعطيكم من المنافع شيئا فشيئا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تشكرون} [السجدة: 9] يقول: وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص، والأفئدة تعقلون بها الخير من السوء، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٠١) ↗التحرير والتنوير
ومناسبة وصفه تعالى ب العزيز الرحيم عقب ما تقدم أنه خلق الخلق بمحض قدرته بدون معين، فالعزة وهي الاستغناء عن الغير ظاهرة، وأنه خلقهم على أحوال فيها لطف بهم فهو رحيم بهم فيما خلقهم إذ جعل أمور حياتهم ملائمة لهم فيها نعيم لهم وجنبهم الآلام فيها. فهذا سبب الجمع بين صفتي العزيز والرحيم هنا على خلاف الغالب من ذكر الحكيم مع العزيز. والعزيز الرحيم يجوز كونهما خبرين آخرين عن اسم الإشارة أو وصفين ل عالم الغيب. [7- 9] الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) خبر آخر عن اسم الإشارة أو وصف آخر ل عالم الغيب [السجدة: 6] ، وهو ارتقاء في الاستدلال مشوب بامتنان على الناس أن أحسن خلقهم في جملة إحسان خلق كل شيء وبتخصيص خلق الإنسان بالذكر. والمقصود: أنه الذي خلق كل شيء وخاصة الإنسان خلقا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وأخرج أصله من تراب ثم كون فيه نظام النسل من ماء، فكيف تعجزه إعادة أجزائه. والإحسان: جعل الشيء حسنا، أي محمودا غير معيب، وذلك بأن يكون وافيا بالمقصود منه فإنك إذا تأملت الأشياء رأيتها مصنوعة على ما ينبغي فصلابة الأرض مثلا للسير عليها، ورقة الهواء ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوق لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يمينا وشمالا لكثرت الحرائق فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق. وقوله خلقه قرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بصيغة فعل المضي على أن الجملة صفة ل شيء أي: كل شيء من الموجودات التي خلقها وهم يعرفون كثيرا منها. وقرأه الباقون بسكون اللام على أنه اسم هو بدل من كل شيء بدل اشتمال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢١٥) ↗