سورة لقمان · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يتلو تعالى على عباده آثارا من آثار قدرته، وبدائع من بدائع حكمته، ونعما من آثار رحمته، فقال: { خلق السموت } السبع، على عظمها، وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل. { بغير عمد ترونها } أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تعالى. { وألقى في الأرض رواسي } أي: جبالا عظيمة، ركزها في أرجائها وأنحائها، لئلا { تميد بكم } فلولا الجبال الراسيات لمادت الأرض، ولما استقرت بساكنيها. { وبث فيها من كل دآبة } أي: نشر في الأرض الواسعة من جميع أصناف الدواب، التي هي مسخرة لبني آدم، ولمصالحهم ومنافعهم. ولما بثها في الأرض، علم تعالى أنه لا بد لها من رزق تعيش به، فأنزل من السماء ماء مباركا، { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } المنظر، نافع مبارك، فرتعت فيه الدواب المنبثة، وسكن إليه كل حيوان. { هذا } أي: خلق العالم العلوي والسفلي، من جماد، وحيوان، وسوق أرزاق الخلق إليهم { خلق الله } وحده لا شريك له، كل مقر بذلك حتى أنتم يا معشر المشركين. { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } أي: الذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم من استحقاق العبادة. ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق الله وحده، ولا ثم شيء يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات شيء لها تستحق به أن تعبد. ولكن عبادتهم إياها عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، ولهذا قال: { بل الظالمون في ضلال مبين } أي: جلي واضح حيث عبدوا من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وتركوا الإخلاص للخالق الرازق المالك لكل الأمور.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: لقمان ١٠–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وألوانها إلا الذي خلقها. ولما قرر أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} أي: من كل زوج من النبات كريم، أي: حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس -أيضا -من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. وقوله: {هذا خلق الله} أي: هذا الذي ذكره تعالى من خلق السموات، والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك؛ ولهذا قال: {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد، {بل الظالمون} يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره {في ضلال} أي: جهل وعمى، {مبين} أي: واضح ظاهر لا خفاء به. اختلف السلف في لقمان، عليه السلام: هل كان نبيا، أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني. وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير، قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: رحمه الله، حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان أسود نوبيا ذا مشافر (1) . وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب (2) ، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أطيب مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فقال له …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أيها المشركون في عبادتكم إياه PageEndV18P545 من دونه من الآلهة والأوثان، أي شيء خلق الذين من دونه من آلهتكم وأصنامكم، حتى استحقت عليكم العبادة فعبدتموها من دونه، كما استحق ذلك عليكم خالقكم، وخالق هذه الأشياء التي عددتها عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٤٤) ↗التحرير والتنوير
وقرأ نافع في أذنيه بسكون الذال للتخفيف لأجل ثقل المثنى، وقرأه الباقون بضم الذال على الأصل. وقد ترتب على هذه الأعمال التي وصف بها أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوعده بعذاب أليم. وإطلاق البشارة هنا استعارة تهكمية، كقول عمرو بن كلثوم: فعجلنا القرى أن تشتمونا وقد عذب النضر بالسيف إذ قتل صبرا يوم بدر، فذلك عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة أشد. [8- 9] إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) لما ذكر عذاب من يضل عن سبيل الله أتبع ببشارة المحسنين الذين وصفوا بأنهم يقيمون الصلاة إلى قوله وأولئك هم المفلحون [لقمان: 5] . وانتصب وعد الله على المفعول المطلق النائب عن فعله، وانتصب حقا على الحال المؤكدة لمعنى عاملها كما تقدم في صدر سورة يونس. وإجراء الاسمين الجليلين على ضمير الجلالة لتحقيق وعده لأنه لعزته لا يعجزه الوفاء بما وعد، ولحكمته لا يخطىء ولا يذهل عما وعد، فموقع جملة وهو العزيز الحكيم موقع التذييل بالأعم. [10- 11] خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيره أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٤٥) ↗