سورة الروم · الآية ٨
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ۗ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أفلم يتفكر هؤلاء المكذبون لرسل الله ولقائه { في أنفسهم } فإن في أنفسهم آيات يعرفون بها، أن الذي أوجدهم من العدم، سيعيدهم بعد ذلك، وأن الذي نقلهم أطوارا من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آدمي، قد نفخ فيه الروح، إلى طفل، إلى شاب، إلى شيخ، إلى هرم، غير لائق أن يتركهم سدى مهملين، لا ينهون ولا يؤمرون، ولا يثابون ولا يعاقبون. { ما خلق الله السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } [أي] ليبلوكم أيكم أحسن عملا. { وأجل مسمى } أي: مؤقت بقاؤهما إلى أجل تنقضي به الدنيا، وتجيء به القيامة، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات. { وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون } فلذلك لم يستعدوا للقائه، ولم يصدقوا رسله التي أخبرت به، وهذا الكفر عن غير دليل، بل الأدلة القاطعة، قد دلت على البعث والجزاء، ولهذا نبههم على السير في الأرض، والنظر في عاقبة الذين كذبوا رسلهم وخالفوا أمرهم، ممن هم أشد من هؤلاء قوة، وأكثر آثارا في الأرض، من بناء قصور ومصانع، ومن غرس أشجار، ومن زرع وإجراء أنهار، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا نفعتهم آثارهم، حين كذبوا رسلهم الذين جاؤوهم بالبينات الدالات على الحق، وصحة ما جاؤوهم به، فإنهم حين ينظرون في آثار أولئك، لم يجدوا إلا أمما بائدة، وخلقا مهلكين، ومنازل بعدهم موحشة، وذم من الخلق عليهم متتابع. وهذا جزاء معجل، نموذج للجزاء الأخروي ومبتدأ له. وكل هذه الأمم المهلكة، لم يظلمهم الله بذلك الإهلاك، وإنما ظلموا أنفسهم، وتسببوا في هلاكها. { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى } أي: الحالة السيئة الشنيعة، وصار ذلك داعيا لهم لأن { كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون } فهذا عقوبة لسوئهم وذنوبهم. ثم ذلك الاستهزاء والتكذيب، يكون سببا لأعظم العقوبات وأعضل المثلات.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٨–١٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم -أيها المبعوث إليهم محمد صلوات الله وسلامه عليه (1) وأكثر أموالا وأولادا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعمارا طوالا فعمروها أكثر منكم. واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس (2) الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله، واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم؛ ولهذا قال: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} ، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] ، وقوله (3) : {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] . وعلى هذا تكون (4) السوءى منصوبة مفعولا لأساءوا. وقيل: بل المعنى في ذلك: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} أي: كانت السوءى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوءى منصوبة خبر كان. هذا توجيه ابن جرير (5) ، ونقله (6) عن ابن عباس وقتادة. ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مزاحم، وهو الظاهر، والله أعلم، {وكانوا بها يستهزئون} . يقول تعالى: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته، {ثم إليه ترجعون} ، أي: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قال ابن عباس: ييأس المجرمون. وقال مجاهد: يفتضح المجرمون. وفي رواية: يكتئب المجرمون. {ولم يكن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يكونوا شيئا، ثم صرفهم أحوالا وتارات حتى صاروا رجالا، فيعلموا أن الذي فعل ذلك قادر أن يعيدهم بعد فنائهم خلقا جديدا، ثم يجازي المحسن منهم بإحسانه. والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدا منهم فيعاقبه بجرم غيره، ولا يحرم أحدا منهم جزاء عمله، لأنه العدل الذي لا يجور، {ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما} إلا بالعدل، وإقامة الحق، {وأجل مسمى} [الأنعام: 2] يقول: وبأجل مؤقت مسمى، إذا بلغت ذلك الوقت أفنى ذلك كله، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار، {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم} [الروم: 8] جاحدون منكرون، جهلا منهم بأن معادهم إلى الله بعد فنائهم، وغفلة منهم عن الآخرة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٦٤) ↗التحرير والتنوير
الفصل لإفادة الاختصاص بهم، أي هم الغافلون عن الآخرة دون المؤمنين. ومن البديع الجمع بين لا يعلمون ويعلمون. وفيه الطباق من حيث ما دل عليه اللفظان لا من جهة متعلقهما. وقريب منه قوله تعالى ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [البقرة: 102] . [8] 8] أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) عطف على جملة وهم عن الآخرة هم غافلون [الروم: 7] لأنهم نفوا الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة. فضمير يتفكروا عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة. والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم. والتقدير: هم غافلون وعجيب عدم تفكرهم. ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين: أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب. وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين. والتفكر: إعمال الفكر، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه، وهو التأمل في الدلالة العقلية. وقد تقدم عند قوله تعالى قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون في سورة الأنعام [50] . والأنفس: جمع نفس. والنفس يطلق على الذات كلها، ويطلق على باطن الإنسان، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: تعلم ما في نفسي [المائدة: 116]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٥١) ↗