البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الروم · الآية ٥٥

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن يوم القيامة، وسرعة مجيئه، وأنه إذا قامت الساعة { يقسم المجرمون } بالله أنهم { ما لبثوا } في الدنيا إلا { ساعة } وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر، واستقصار لمدة الدنيا. ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له، قال تعالى: { كذلك كانوا يؤفكون } أي: ما زالوا - وهم في الدنيا - يؤفكون عن الحقائق، ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة، أنكروا الأمر المحسوس، وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح، والعبد يبعث على ما مات عليه. { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } أي: من الله عليهم بهما، وصارا وصفا لهم، العلم بالحق، والإيمان المستلزم إيثار الحق، وإذا كانوا عالمين بالحق، مؤثرين له، لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع، مناسبا لأحوالهم. فلهذا قالوا الحق: { لقد لبثتم في كتاب الله } أي: في قضائه وقدره، الذي كتبه الله عليكم، وفي حكمه { إلى يوم البعث } أي: عمرتم عمرا يتذكر فيه المتذكر، ويتدبر فيه المتدبر، ويعتبر فيه المعتبر، حتى صار البعث ووصلتم إلى هذه الحال. { فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } فلذلك أنكرتموه في الدنيا، وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا تتمكنون فيه من الإنابة والتوبة، فلم يزل الجهل شعاركم، وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم. { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } فإن كذبوا وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة، أو ما تمكنوا من الإيمان، ظهر كذبهم، بشهادة أهل العلم والإيمان، وشهادة جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وإن طلبوا الإعذار وأنهم يردون ولا يعودون لما نهوا عنه، لم يمكنوا، فإنه فات وقت الإعذار، فلا تقبل معذرتهم، { ولا هم يستعتبون } أي: يزال عتبهم والعتاب عنهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٥٥–٥٧) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم هم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: {كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} أي: فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: {لقد لبثتم في كتاب الله} أي: في كتاب الأعمال، {إلى يوم البعث} أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} . قال الله تعالى: {فيومئذ} أي: يوم القيامة، {لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} أي: [لا ينفعهم] (1) اعتذارهم عما فعلوا، {ولا هم يستعتبون} أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} [فصلت: 24] . يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليتبينوا الحق ويتبعوه. {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال [الله] (2) تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ؛ ولهذا قال هاهنا: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق} أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي: بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حلفهم بالله {ما لبثوا غير ساعة} [الروم: 55] يقول: يقسمون بأنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة. يقول الله جل ثناؤه: كذلك في PageEndV18P527 الدنيا كانوا يؤفكون: يقول: كذبوا في قيلهم، وأقسموا: ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون، ويحلفون على الكذب وهم يعلمون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٢٦) ↗

التحرير والتنوير

العمي، وقرأه حمزة وحده تهدي بمثناة فوقية وبدون ألف بعد الهاء على الخطاب وبنصب العمي على المفعولية. [54] 54] الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) هذا رابع استئناف من الأربعة المتقدمة رجوع إلى الاستدلال على عظيم القدرة في مختلف المصنوعات من العوالم لتقرير إمكانية البعث وتقريب حصوله إلى عقول منكريه لأن تعدد صور إيجاد المخلوقات وكيفياته من ابتدائها عن عدم أو من إعادتها بعد انعدامها وبتطور وبدونه مما يزيد إمكان البعث وضوحا عند منكريه، فموقع هذه الآية كموقع قوله: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا [الروم: 48] ونظائرها كما تقدم ولذلك جاءت فاتحتها على أسلوب فواتح نظائرها وهذا ما يؤذن به تعقيبها بقوله ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون [الروم: 55] الآية. ثم قوله الله الذي خلقكم مبتدأ وصفة، وقوله يخلق ما يشاء هو الخبر، أي يخلق ما يشاء مما أخبر به وأنتم تنكرون. والضعف بضم الضاد في الآية وهو أفصح وهو لغة قريش. ويجوز في ضاده الفتح وهو لغة تميم. وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله ابن عمر قال: قرأتها على رسول الله الذي خلقكم من ضعف- يعني بفتح الضاد- فأقرأني: من ضعف يعني بضم الضاد-. وقرأ الجمهور ألفاظ ضعف الثلاثة- بضم الضاد- في الثلاثة. وقرأها عاصم وحمزة بفتح الضاد، فلهما سند لا محالة يعارض حديث ابن عمر. والجمع بين هذه القراءة وبين حديث ابن عمر أن النبيء صلى الله عليه وسلم نطق بلغة الضم لأنها لغة قومه، وأن الفتح رخصة لمن يقرأ بلغة قبيلة أخرى، ومن لم يكن له لغة تخصه فهو مخير بين القراءتين. والضعف: الوهن واللين. ومن ابتدائية، أي: مبتدأ خلقه من ضعف، أي: من حالة ضعف، وهي حالة كونه جنينا ثم صبيا إلى أن يبلغ أشده، وهذا كقوله: خلق الإنسان من

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٢٧) ↗