سورة الروم · الآية ٤٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { ولقد أرسلنا من قبلك } في الأمم السابقين { رسلا إلى قومهم } حين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بالحق، فجاءتهم رسلهم يدعونهم إلى التوحيد والإخلاص، والتصديق بالحق، وبطلان ما هم عليه من الكفر والضلال، وجاؤوهم بالبينات والأدلة على ذلك، فلم يؤمنوا، ولم يزولوا عن غيهم، { فانتقمنا من الذين أجرموا } ونصرنا المؤمنين أتباع الرسل. { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا، وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به، فلا بد من وقوعه. فأنتم أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم، إن بقيتم على تكذيبكم، حلت بكم العقوبة، ونصرناه عليكم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٤٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة". ثم تلا هذه الآية: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} (1) . يبين تعالى كيف يخلق السحاب التي (1) ينزل منها الماء (2) فقال: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} ، إما من البحر على ما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله عز وجل. {فيبسطه في السماء كيف يشاء} أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثيرا، ينشئ سحابة فترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق. وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالا مملوءة ماء، كما قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] ، وكذلك قال هاهنا: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا} . قال مجاهد، وأبو عمرو بن العلاء، ومطر الوراق، وقتادة: يعني قطعا. وقال غيره: متراكما، قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض. وقوله {فترى الودق يخرج من خلاله} أي: فترى المطر -وهو القطر -يخرج من بين ذلك السحاب، {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} أي: لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} ، معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر كانوا قنطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعا عظيما. وقد اختلف النحاة في قوله: {من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} ، فقال ابن جرير: هو
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٢٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥١٨) ↗التحرير والتنوير
وجريان الفلك بالرياح من حكمة خلق الرياح ومن نعمه، وتقدم في آية سورة البقرة [164] . والتقييد بقوله بأمره تعليم للمؤمنين وتحقيق للمنة، أي: لولا تقدير الله ذلك وجعله أسباب حصوله لما جرت الفلك، وتحت هذا معان كثيرة يجمعها إلهام الله البشر لصنع الفلك وتهذيب أسباب سيرها. وخلق نظام الريح والبحر لتسخير سيرها كما دل على ذلك قوله ولعلكم تشكرون، وقد تقدم ذلك في سورة الحج [36] ، وتقدم هنالك معنى لتبتغوا من فضله. [47] ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) هذه جملة معترضة مستطردة آثارها ذكر سير الفلك في عداد النعم فعقب ذلك بما كان سير الفلك فيه تذكير بنقمة الطوفان لقوم نوح، وبجعل الله الفلك لنجاة نوح وصالحي قومه من نقمة الطوفان، فأريد تحذير المكذبين من قريش أن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم، وكان في تلك النقمة نصر المؤمنين، أي نصر الرسل وأتباعهم ألا ترى إلى حكاية قول نوح: رب انصرني بما كذبون في سورة المؤمنين [26] ، وقوله تعالى هنا: كان حقا علينا نصر المؤمنين والواو اعتراضية وليست للعطف. والانتقام: افتعال من النقم وهو الكراهية والغضب، وفعله كضرب وعلم قال تعالى وما تنقم منا [الأعراف: 126] . وفي المثل: مثله كمثل الأرقم إن يقتل ينقم- بفتح القاف- وإن يترك يلقم. والانتقام: العقوبة لمن يفعل ما لا يرضي كأنه صيغ منه الافتعال للدلالة على حصول أثر النقم، وقد تقدم عند قوله تعالى: وما تنقم منا وقوله فانتقمنا منهم في سورة الأعراف [136] . وكلمةقا علينا من صيغ الالتزام، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق [الأعراف: 105] ، وهو محقوق بكذا، أي: لازم له، قال الأعشى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١١٩) ↗