سورة الروم · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال، وإقامة دينه، فقال: { فأقم وجهك } أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام، والإيمان، والإحسان، بأن تتوجه بقلبك، وقصدك، وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وخص الله إقامة الوجه، لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي البدن، ولهذا قال: { حنيفا } أي: مقبلا على الله في ذلك، معرضا عما سواه. وهذا الأمر الذي أمرناك به، هو { فطرت الله التي فطر الناس عليها } ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطرة. ومن خرج عن هذا الأصل، فلعارض عرض لفطرته أفسدها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". { لا تبديل لخلق الله } أي: لا أحد يبدل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله، { ذلك } الذي أمرنا به { الدين القيم } أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا، فإنه سالك الصراط المستقيم، في جميع شرائعه وطرقه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه. { منيبين إليه واتقوه } وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي الله تعالى. ويلزم من ذلك، حمل البدن بمقتضى ما في القلب، فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة، فلذلك قال: { واتقوه } فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات. وخص من المأمورات الصلاة، لكونها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم". وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على] (1) الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية (2) . وقوله: {لا تبديل لخلق الله} قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها. فيكون خبرا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] ، وهذا معنى حسن صحيح. وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك؛ ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (3) في قوله: {لا تبديل لخلق الله} أي: لدين الله. وقال البخاري: قوله: {لا تبديل لخلق الله} : لدين الله، خلق الأولين: [دين الأولين] ، (4) والدين والفطرة: الإسلام. حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن (5) أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"؟ ثم يقول: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به (6) . وأخرجاه -أيضا -من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم (7) . وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي. قال (8) الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن (9) عن الأسود بن سريع [التميمي] (10) قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهرا (11) ، فقتل الناس يومئذ، حتى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٩٨) ↗التحرير والتنوير
32] منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) منيبين حال من ضمير فأقم [الروم: 30] للإشارة إلى أن الخطاب الموجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم. والمنيب: الملازم للطاعة. ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة، أي ذا رجوع متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة، والنوبة: حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس وأصلها: فعلة بصيغة المرة لأنها مرة من النوب وهو قيام أحد مقام غيره، ومنه النيابة، ويقال: تناوبوا عمل كذا. وفي حديث عمر: «كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما» الحديث، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة تعهدا متكررا، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب في سورة هود [75] . وفسرت الإنابة أيضا بالتوبة. وقد قيل: إن ناب مرادف تاب، وهو المناسب لقوله في الآية الموالية دعوا ربهم منيبين إليه [الروم: 33] . والأمر الذي في قوله واتقوه وأقيموا الصلاة مستعمل في طلب الدوام. والذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم المشركون لأنهم اتخذوا عدة آلهة. وإنما كررت من التبعيضية لاعتبار الذين فرقوا دينهم بدلا من المشركين بدلا مطابقا أو بيانا، فإظهار حرف الجر ثانية مع الاستغناء عنه بالبدلية تأكيد بإظهار العامل كما تقدم في قوله تعالى: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا [المائدة: 114] وشأن البدل والبيان أن يجوز معهما إظهار العامل المقدر فيخرجان عن إعراب التوابع إلى الإعراب المستقل ويكونان في المعنى بدلا أو بيانا ولهذا قال النحاة: إن البدل على نية تكرار العامل. وقال المحققون: إن البدل معرب بالعامل المقدر، ومثله البيان وهما سيان. وتقدم الكلام على معنى الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا في آخر سورة الأنعام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٩٥) ↗