سورة الروم · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا مثل ضربه الله تعالى، لقبح الشرك وتهجينه، مثلا من أنفسكم، لا يحتاج إلى حل وترحال، وإعمال الجمال. { هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } أي: هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد سواء. { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } أي: كالأحرار الشركاء في الحقيقة، الذين يخاف من قسمه، واختصاص كل شيء بحاله؟ ليس الأمر كذلك، فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم الله تعالى. هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم، وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكا من خلقه، وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له في العبادة، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ هذا من أعجب الأشياء، ومن أدل شيء على [سفه] من اتخذ شريكا مع الله، وأن ما اتخذه باطل مضمحل، ليس مساويا لله، ولا له من العبادة شيء. { كذلك نفصل الآيات } بتوضيحها بأمثلتها { لقوم يعقلون } الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل، فلو فصلت له الآيات، وبينت له البينات، لم يكن له عقل يبصر به ما تبين، ولا لب يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب، هم الذين يساق إليهم الكلام، ويوجه الخطاب. وإذا علم من هذا المثال، أن من اتخذ من دون الله شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء، فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل، توضح له بطلانه وظهر برهانه؟ [لقد] أوجب لهم ذلك اتباع الهوى، فلهذا قال: { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم } هويت أنفسهم الناقصة، التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرا يجزم العقل بفساده، والفطر برده، بغير علم دلهم عليه، ولا برهان قادهم إليه. { فمن يهدي من أضل الله } أي: لا تعجبوا من عدم هدايتهم، فإن الله تعالى أضلهم بظلمهم، ولا طريق لهداية من أضل الله، لأنه ليس أحد معارضا لله، أو منازعا له في ملكه. { وما لهم من ناصرين } ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه. وهذا كقوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: 62] أي: من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، فهم يأنفون من البنات. وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر. وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله، يساويه فيه. ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير (1) ، عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم [لبيك] (2) ، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} (3) . ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} . ثم قال تعالى مبينا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفها من أنفسهم وجهلا {بل اتبع الذين ظلموا} أي: المشركون {أهواءهم} أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم، {فمن يهدي من أضل الله} [أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله إضلالهم] (4) ، {وما لهم من ناصرين} أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيه سواء، يخافون أن يقاسموهم ما هم وشركاؤهم فيه، فرضوا لله من أجل ذلك بما رضوا به لأنفسهم، فأشركوهم في عبادته، ولكن الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله، اتبعوا أهواءهم، جهلا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته {فمن يهدي من أضل الله} [الروم: 29] يقول: فمن يسدد للصواب من الطرق، يعني بذلك من يوفق للإسلام من أضل الله عن الاستقامة والرشاد؟ {وما لهم من ناصرين} [آل عمران: 22] يقول: وما لمن أضل الله من ناصرين ينصرونه، فينقذونه من الضلال الذي يبتليه به تعالى ذكره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٩٢) ↗التحرير والتنوير
ولذلك عقب بجملة كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون، أي نفصل الدلائل على الاعتقاد الصحيح تفصيلا كهذا التفصيل وضوحا بينا، وجملة إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [الروم: 24] استئناف ابتدائي. والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة والإعراض، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم، فيزداد المؤمنون يقينا ويؤمن الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه الدلائل البينة. وفي ذكر لفظ قوم وإجراء الصفة عليه إيماء إلى أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] ، وتقدمت له نظائر كثيرة. والقول في إيثار وصف العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا إلى قوله يعقلون [الروم: 24] . وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول، وليسوا ممن ينتفعون كقوله تعالى وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] وقوله ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171] . وقوله كذلك تقدم نظيره في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] . [29] 29] بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29) إضراب إبطالي لما تضمنه التعريض الذي في قوله كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون [الروم: 28] إذ اقتضى أن الشأن أن ينتفع الناس بمثل هذا المثل فيقلع المشركون منهم عن إشراكهم ويلجوا حظيرة الإيمان، ولكنهم اتبعوا أهواءهم وما تسوله لهم نفوسهم ولم يطلبوا الحق ويتفهموا دلائله فهم عن العلم بمنأى. فالتقدير: فما نفعتهم الآيات المفصلة بل اتبعوا أهواءهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٨٧) ↗