سورة الروم · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال، ما يكون بين الدول المتوازنة. وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل، وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون - لاشتراكهم والفرس في الشرك - يحبون ظهور الفرس على الروم. فظهر الفرس على الروم، فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم، بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة، وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس. { في بضع سنين } تسع، أو ثمان، ونحو ذلك، مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم، ثم غلبة الروم للفرس، كل ذلك بمشيئته وقدره، ولهذا قال: { لله الأمر من قبل ومن بعد } فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر. { ويومئذ } أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم { يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء } أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفارا، ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون. { وهو العزيز } الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. { الرحيم } بعباده المؤمنين، حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم، ما لا يدخل في الحساب. { وعد الله لا يخلف الله وعده } فتيقنوا ذلك، واجزموا به، واعلموا أنه لا بد من وقوعه. فلما نزلت هذه الآيات، التي فيها هذا الوعد، صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون، حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل، الذي ضربه الله، انتصر الروم على الفرس، وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم، وتحقق وعد الله. وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل وقوعها، ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها، من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أبو إسحاق الفزاري، فذكره. وعندهم: قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر (3) . حديث آخر: قال سليمان بن مهران الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم. أخرجاه (4) (5) . وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر -هو الشعبي -عن عبد الله -هو (6) ابن مسعود رضي الله عنه -قال: كان فارس ظاهرا على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وك ان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين} قالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟! قال: صدق. قالوا: هل لك إلى أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين، فذكر (7) ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بضع سنين عندكم"؟ قالوا: دون العشر. قال: "اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل". قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله: {الم. غلبت الروم} إلى قوله: { [وعد الله] لا يخلف الله وعده} (8) (9) . حديث آخر: قال (10) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} ، قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك؟ يزعم أن الروم تغلب فارس. قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلا فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: "ما دعاك إلى هذا؟ " قال: تصديقا لله ولرسوله. فقال: "تعرض لهم وأعظم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكره: {الم} [البقرة: 1] فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القرآن.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٤٦) ↗التحرير والتنوير
وقبل سورة العنكبوت. وقد روي عن قتادة وغيره أن غلب الروم على الفرس كان في عام بيعة الرضوان، ولذلك استفاضت الروايات وكان بعد قتل أبي بن خلف يوم أحد. واتفقت الروايات على أن غلب الروم للفرس وقع بعد مضي سبع سنين من غلب الفرس على الروم الذي نزلت عنده هذه السورة. ومن قال: إن ذلك كان بعد تسع سنين بتقديم التاء المثناة فقد حمل على التصحيف كما رواه القرطبي عن القشيري يقتضي أن نزول سورة الروم كان في سنة إحدى قبل الهجرة لأن بيعة الرضوان كانت في سنة ست بعد الهجرة. وعن أبي سعيد الخدري أن انتصار الروم على فارس يوافق يومه يوم بدر. وعدد آيها في عد أهل المدينة وأهل مكة تسع وخمسون. وفي عدد أهل الشام والبصرة والكوفة ستون. وسبب نزولها ما رواه الترمذي عن ابن عباس والواحدي وغير واحد: أنه لما تحارب الفرس والروم الحرب التي سنذكرها عند قوله تعالى غلبت الروم في أدنى الأرض [الروم: 2، 3] وتغلب الفرس على الروم كان المشركون من أهل مكة فرحين بغلب الفرس على الروم لأن الفرس كانوا مشركين ولم يكونوا أهل كتاب فكان حالهم أقرب إلى حال قريش ولأن عرب الحجاز والعراق كانوا من أنصار الفرس وكان عرب الشام من أنصار الروم فأظهرت قريش التطاول على المسلمين بذلك فأنزل الله هذه السورة مقتا لهم وإبطالا لتطاولهم بأن الله سينصر الروم على الفرس بعد سنين. فلذلك لما نزلت الآيات الأولى من هذه السورة خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين [الروم: 1- 4] ، وراهن أبو بكر المشركين على ذلك كما سيأتي. أول أغراض هذه السورة سبب نزولها على ما سر المشركين من تغلب الفرس على الروم، فقمع الله تعالى تطاول المشركين به وتحداهم بأن العاقبة للروم في الغلب على الفرس بعد سنين قليلة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٤٠) ↗