سورة آل عمران · الآية ٩٧
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا قال: { مباركا } أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [الحج: 28] { وهدى للعالمين } والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله { فيه ءايت بينت } أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما من به على أوليائه وأنبيائه، فمن الآيات { مقام إبرهيم } يحتمل أن المراد به المقام المعروف وهو الحجر الذي كان يقوم عليه الخليل لبنيان الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ملصقا في جدار الكعبة، فلما كان عمر رضي الله عنه وضعه في مكانه الموجود فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم، قد أثرت في الصخرة وبقي ذلك الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات، وقيل إن الآية فيه ما أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه واحترامه، ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية في ذلك ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها وتحمل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة، وما في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ابن عرعرة قال: قام رجل إلى علي فقال: ألا تحدثني عن البيت: أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال (1) لا ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا. وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في سورة البقرة فأغنى عن إعادته (2) . وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا. والصحيح قول علي [رضي الله عنه] (3) فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في (4) كتابه دلائل النبوة، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس" (5) فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف. والأشبه، والله أعلم، أن يكون هذا موقوفا على عبد الله بن عمرو. ويكون من الزاملتين اللتين (6) أصابهما يوم اليرموك، من كلام أهل الكتاب. وقوله تعالى: {للذي ببكة} بكة: من أسماء مكة على المشهور، قيل (7) سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يبكون (8) بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي (9) النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيرها. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب، ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة: البيت والمسجد. وكذا قال الزهري. وقال عكرمة في رواية، وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وقال أبو صالح، وإبراهيم النخعي، وعطية [العوفي] (10) ومقاتل بن حيان: بكة موضع البيت، وما سوى ذلك مكة. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بينات، وقرأ ذلك ابن عباس (فيه آية بينة) يعني بها مقام إبراهيم، يراد بها علامة واحدة ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] وما تلك الآيات، فقال بعضهم: مقام إبراهيم والمشعر الحرام، ونحو ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٥٩٨) ↗التحرير والتنوير
بالتوراة، وهذا كقوله: ولن يتمنوه أبدا [البقرة: 95] وبعد أن فرغ من إعلان كذبهم بالحجة القاطعة قال: قل صدق الله وهو تعريض بكذبهم لأن صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي. والتفريع في قوله: فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا تفريع على صدق الله لأن اتباع الصادق فيما أمر به منجاة من الخطر. [96، 97] 97] إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. هذا الكلام واقع موقع التعليل للأمر في قوله: فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا [آل عمران: 95] لأن هذا البيت المنوه بشأنه كان مقاما لإبراهيم ففضائل هذا البيت تحقق فضيلة شرع بانيه في متعارف الناس، فهذا الاستدلال خطابي، وهو أيضا إخبار بفضيلة الكعبة، وحرمتها- فيما مضى من الزمان-. وقد آذن بكون الكلام تعليلا موقع (إن) في أوله فإن التأكيد بإن هنا لمجرد الاهتمام وليس لرد إنكار منكر، أو شك شاك. ومن خصائص (إن) إذا وردت في الكلام لمجرد الاهتمام، أن تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل والربط، كما في دلائل الإعجاز. ولما في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون (إن) مؤذنة بالربط. وبيان وجه التعليل أن هذا البيت لما كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر العصور، دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو مائل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدل على أن الدين الذي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١١) ↗