سورة آل عمران · الآية ٨٦
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قوما اختاروا الكفر والضلال بعدما آمنوا وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات البينات والبراهين القاطعات { والله لا يهدي القوم الظالمين } فهؤلاء ظلموا وتركوا الحق بعدما عرفوه، واتبعوا الباطل مع علمهم ببطلانه ظلما وبغيا واتباعا لأهوائهم، فهؤلاء لا يوفقون للهداية، لأن الذي يرجى أن يهتدي هو الذي لم يعرف الحق وهو حريص على التماسه، فهذا بالحري أن ييسر الله له أسباب الهداية ويصونه من أسباب الغواية، ثم أخبر عن عقوبة هؤلاء المعاندين الظالمين الدنيوية والأخروية، فقال { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي: لا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا لحظة، لا بإزالته أو إزالة بعض شدته، { ولا هم ينظرون } أي: يمهلون، لأن زمن الإمهال قد مضى، وقد أعذر الله منهم وعمرهم ما يتذكر فيه من تذكر، فلو كان فيهم خير لوجد، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ٨٦–٨٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا لي (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: { [إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا] (2) فإن الله غفور رحيم} . وهكذا رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (3) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: { [إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله] (4) غفور رحيم} قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه (5) . فقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؛ ولهذا قال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ثم قال: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه {خالدين فيها} أي: في اللعنة {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي: لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة. ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه. يقول تعالى متوعدا ومتهددا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال [تعالى] (6) {وليست التوبة للذين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 87] اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلما، فارتد بعد إسلامه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٥٥٧) ↗التحرير والتنوير
ناجون على كل حال. والمعنى من يبتغ غير الإسلام بعد مجيء الإسلام. وقرأه الجميع بإظهار حرفي الغين من كلمة من يبتغ وكلمة غير وروى السوسي عن أبي عمرو إدغام إحداهما في الأخرى وهو الإدغام الكبير. [86] كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) استئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام. (وكيف) استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما الهداية الناشئة عن عناية الله بالعبد ولطفه به، وإسنادها إلى الله ظاهر وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها، وإسنادها إلى الله لأنه موجد الأسباب ومسبباتها. ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في الاستبعاد، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب الله، ثم كفروا بعد ذلك بأنبيائهم، إذ عبد اليهود الأصنام غير مرة، وعبد النصارى المسيح، وقد شهدوا أن محمدا صادق لقيام دلائل الصدق، ثم كابروا، وشككوا الناس. وجاءتهم الآيات فلم يتعظوا، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال، وإنما تسري الهداية لمن أنصف وتهيأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم. وقيل نزلت في اليهود خاصة. وقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ثم كفروا ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة فنزلت، ومنهم الحارث بن سويد، وأبو عامر الراهب، وطعيمة بن أبيرق. وقوله: وشهدوا عطف على إيمانهم أي وشهادتهم، لأن الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطف الفعل عليه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٣٠٣) ↗