سورة آل عمران · الآية ٧٧
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال، لما ذكر خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق، فأخبر أن منهم الخائن والأمين، وأن منهم { من إن تأمنه بقنطار } وهو المال الكثير { يؤده } وهو على أداء ما دونه من باب أولى، ومنهم { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وهو على عدم أداء ما فوقه من باب أولى وأحرى، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم بأنهم زعموا أنه { ليس } عليهم { في الأميين سبيل } أي: ليس عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد قد احتقروهم غاية الاحتقار، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة، وهم الأذلاء الأحقرون، فلم يجعلوا للأميين حرمة، وأجازوا ذلك، فجمعوا بين أكل الحرام واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله، لأن العالم الذي يحلل الأشياء المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه، وذلك هو الكذب، فلهذا قال { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم، ثم رد عليهم زعمهم الفاسد، فقال { بلى } أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه ليس عليكم في الأميين حرج، بل عليكم في ذلك أعظم الحرج وأشد الإثم. { من أوفى بعهده واتقى } والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه، وهو جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه، ويشمل العهد الذي بينه وبين العباد، والتقوى تكون في هذا الموضع، ترجع إلى اتقاء المعاصي التي بين العبد وبين ربه، وبينه وبين الخلق، فمن كان كذلك فإنه من المتقين الذين يحبهم الله تعالى، سواء كانوا من الأميين أو غيرهم، فمن قال ليس علينا في الأميين سبيل، فلم يوف بعهده ولم يتق الله، فلم يكن ممن يحبه الله، بل ممن يبغضه الله، وإذا كان الأميون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله وعدم التجرئ على الأموال المحترمة، كانوا هم المحبوبين لله، المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم، بخلاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… سعيد، عن جرير بن حازم قال: حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة (10) عن أبيه عدي -هو ابن عميرة الكندي-قال: خاصم رجل من كندة يقال له: امرؤ القيس بن عابس (11) رجلا من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن (12) له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين. فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب (13) الكعبة أرضي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان" قال رجاء: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال (14) الجنة" قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها. ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي، به (15) . الحديث الثالث: قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله عز
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٦٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أوصاهم بها في الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه باتباع محمد وتصديقه، والإقرار به، وما جاء به من عند الله وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرم الله عليهم من أموال الناس التي اؤتمنوا عليها ثمنا، يعني عوضا وبدلا خسيسا من عرض الدنيا وحطامها {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} [آل عمران: 77] يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٥١٥) ↗التحرير والتنوير
وقد كذبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال: ويقولون على الله الكذب قال المفسرون: إنهم ادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وروي عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه- إلى قوله- وهم يعلمون قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر. وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب: إما لأنهم علموا أن ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح، وإما لأن التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد. و (بلى) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل [آل عمران: 75] . و (بلى) غير مختصة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره: توفيرا للمعنى، وقصدا في اللفظ، فقال: من أوفى بعهده أي لم يخن، لأن الأمانة عهد، واتقى» ربه فلم يدحض حق غيره إن الله يحب المحسنين [المائدة: 13] أي الموصوفين بالتقوى، والمقصود نفي محبة الله عن ضد المذكور بقرينة المقام. [77] 77] إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) مناسبة هذه الآية لما قبلها أن في خيانة الأمانة إبطالا للعهد، وللحلف الذي بينهم، وبين المسلمين، وقريش. والكلام استئناف قصد منه ذكر الخلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود، دعا إليه قوله ودت طائفة من أهل الكتاب وما بعده. وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرقة في سورة البقرة [40] : أوفوا بعهدي، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا [البقرة: 41] . ما له في الآخرة من خلاق [البقرة: 102] . ولا يكلمهم الله يوم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٢٨٩) ↗