سورة آل عمران · الآية ٥٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها تلك النفخة الذكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمي روح الله { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو عليه السلام من سادات المقربين { ويكلم الناس في المهد وكهلا } وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم وفلاحهم، وهو تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين، أنه رسول رب العالمين، وأنه عبد الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به { ومن الصالحين } أي: يمن عليه بالصلاح، من من عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } والولد في العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك في قدرة الله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من الغريب إلى ما هو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ربي" (1) حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه (2) ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا (3) عيسى ابن مريم، انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم: {قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} الحواريون، قيل: كانوا قصارين وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير [ثم ندبهم فانتدب الزبير] (4) فقال: "إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير" (5) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} قال مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد جيد. ثم قال (6) تعالى مخبرا عن [ملأ] (7) بني إسرائيل فيما هموا به من الفتك (8) بعيسى، عليه السلام، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالؤوا (9) عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرا، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، ويفند الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه (10) إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية (11) حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل [ممن] (12) كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، عليه السلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك. وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذي ابتعثته به وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك. وقوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحلنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصد عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك، يعرف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم، ليحتذوا طريقهم، ويتبعوا منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامته، ويكذب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة في دعواهم على أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها، ويحتج به على الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٤٤٥) ↗التحرير والتنوير
التأكيد بمجرد تقدم مضمونه، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين، وليبنى عليه التفريع بقوله: فاتقوا الله وأطيعون. وقرأ الجمهور قوله: وأطيعون بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف، وقرأه يعقوب: بإثبات الياء فيهما. وقوله: إن الله ربي وربكم فاعبدوه إن مكسورة الهمزة لا محالة، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لمجرد الاهتمام كقول بشار. بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير ولذلك قال: ربي وربكم فهو لكونه ربهم حقيق بالتقوى، ولكونه رب عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعة رسوله. وقوله: فاعبدوه تفريع على الربوبية، فقد جعل قوله إن الله ربي تعليلا ثم أصلا للتفريع. وقوله: هذا صراط مستقيم الإشارة إلى ما قاله كله أي أنه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضل سالكه ولا يتحير. [52، 53] فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) آذن شرط لما بجمل محذوفة، تقديرها: فولد عيسى، وكلم الناس في المهد بما أخبرت به الملائكة مريم، وكلم الناس بالرسالة. وأراهم الآيات الموعود بها، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته، فكفروا به، فلما أحس منهم الكفر قال إلى آخره. أي أحس الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله: وأطيعون [آل عمران: 50] أي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٢٥٤) ↗