سورة آل عمران · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر، وهو طاعته وطاعة رسوله التي يدخل بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه، لأن اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك هم المفلحون { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فليس ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر وطاعة كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [الحج: 4] فلهذا قال: { فإن الله لا يحب الكافرين } بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، وكأن في هذه الآية الكريمة بيانا وتفسيرا لاتباع رسوله، وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله، هذا هو الاتباع الحقيقي، ثم قال تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ٣٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث (1) . ثم قال: {ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته. ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أي: خالفوا عن أمره {فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس (2) الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم-في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الآية [آل عمران: 31] [إن شاء الله تعالى] (3) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٣٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الإنجيل، {فإن تولوا} [آل عمران: 32] فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، وأنهم منهم بجحودهم نبوتك وإنكارهم الحق الذي أنت عليه بعد علمهم بصحة أمرك وحقيقة نبوتك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٣٢٧) ↗التحرير والتنوير
فأصحاب الرأي الأول يرون تعليق المحبة بذات الله في هذه الآية ونحوها مجازا بتشبيه الرغبة في مرضاته بالمحبة، وأصحاب الرأي الثاني يرونه حقيقة وهو الصحيح. ومن آثار المحبة تطلب القرب من المحبوب والاتصال به واجتناب فراقه. ومن آثارها محبة ما يسره ويرضيه، واجتناب ما يغضبه، فتعليق لزوم اتباع الرسول على محبة الله تعالى لأن الرسول دعا إلى ما يأمر الله به وإلى إفراد الوجهة إليه، وذلك كمال المحبة. وأما إطلاق المحبة في قوله: يحببكم الله فهو مجاز لا محالة أريد به لازم المحبة وهو الرضى وسوق المنفعة ونحو ذلك من تجليات لله يعلمها سبحانه. وهما المعبر عنهما بقوله: يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فإن ذلك دليل المحبة وفي القرآن: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم [المائدة: 18] . وتعليق محبة الله إياهم على فاتبعوني المعلق على قوله: إن كنتم تحبون الله ينتظم منه قياس شرطي اقتراني. ويدل على الحب المزعوم إذا لم يكن معه اتباع الرسول فهو حب كاذب، لأن المحب لمن يحب مطيع، ولأن ارتكاب ما يكرهه المحبوب إغاضة له وتلبس بعدوه وقد قال أبو الطيب: أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه فعلم أن حب العدو لا يجامع الحب وقد قال العتابي: تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب وجملة والله غفور رحيم في قوة التذييل مثل جملة والله على كل شيء قدير [البقرة: 284] المتقدمة. ولم يذكر متعلق للصفتين ليكون الناس ساعين في تحصيل أسباب المغفرة والرحمة. [32] قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت: فذلكة للكلام، وحرصا على الإجابة، - فابتدأ الموعظة أولا بمقدمة وهي قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 10] - ثم شرع في الموعظة بقوله: قل للذين كفروا ستغلبون [آل عمران: 12] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٢٢٨) ↗