سورة آل عمران · الآية ١٩٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: { إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: { آيات } ولم يقل: " على المطلب الفلاني " إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره. وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم. ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم: { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم { ويتفكرون في خلق السموت والأرض } أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق. { فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الألباب} فليتفكروا فيها (6) وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية. وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة. والله أعلم. ومعنى الآية أنه يقول تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها (1) وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص {واختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم (2) ؛ ولهذا قال: {لأولي الألباب} أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين قال الله [تعالى] (3) فيهم: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:105، 106] . ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك (4) (5) أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر (6) والاعتبار". وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وقال الفضيل: قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني أبو حفص الجبيري، ومحمد بن بشار، قالا: أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، في قوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192] قال: «من تخلد» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192] قال: «هي خاصة لمن لا يخرج منها» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحملي، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفاعة حق هو؟ قال: «نعم حق» قال: قلت يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192] ، و {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} [المائدة: 37] ، قال: فقال لي: " إنك والله لا تستطيع على شيء، إن للنار أهلا لا يخرجون منها كما قال الله، قال: قلت PageEndV06P313 يا أبا سعيد: فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبا في الدنيا، فأخذهم الله بها فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192] قال: «هو من يخلد فيها» وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٣١٣) ↗التحرير والتنوير
الأول، للدلالة على أن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين: النجاة من النار، ونعيم الجنة. ومعنى فقد فاز نال مبتغاه من الخير لأن ترتب الفوز على دخول الجنة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلا لهذا. والعرب تعتمد في هذا على القرائن، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقق، نحو قول القائل: من عرفني فقد عرفني، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى: وإذا مروا باللغو مروا كراما وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته على أحد وجهين، وقول العرب: «من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك» وجميع ما قرر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله: ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا [القصص: 63] . [186] 186] لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحق، وأكد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة. فأصل لتبلون لتبلوونن فلما توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: واو الرفع ونون التوكيد الشديدة، فحذفت واو الرفع لأنها ليست أصلا في الكلمة فصار لتبلون. وكذلك القول في تصريف قوله تعالى: ولتسمعن وفي توكيده.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٨٩) ↗