سورة آل عمران · الآية ١٧٤
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من " أحد " إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى " حمراء الأسد " ، وجاءهم من جاءهم وقال لهم: { إن الناس قد جمعوا لكم } وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه. { وقالوا حسبنا الله } أي: كافينا كل ما أهمنا { ونعم الوكيل } المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم. { فانقلبوا } أي: رجعوا { بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء }. وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث من عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم ثم قال تعالى: { إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه } أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته. وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١٧٢–١٧٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن (1) يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" (2) . وقد روي نحوه عن أنس وأبي سعيد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة". انفرد (3) به مسلم من طريق حماد (4) (5) . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عن (6) محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما علمت (7) أن الله أحيا أباك فقال له: تمن علي، فقال له: أرد إلى الدنيا، فأقتل مرة أخرى، فقال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون". انفرد (8) به أحمد من هذا الوجه (9) وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر -وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه-قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري: وقال أبو الوليد، عن شعبة عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني (10) والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبكه (11) -أو: ما تبكيه (12) -ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع". وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر (13) عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي ... وذكر تمامه بنحوه (14) . حديث آخر: قال الإمام أحمد: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عدوهم إلى حمراء الأسد {بنعمة من الله} [آل عمران: 171] يعني: بعافية من ربهم لم يلقوا بها عدوا {وفضل} [آل عمران: 171] يعني: أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي اتجروا بها، والأجر الذي اكتسبوه {لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 174] يعني: لم ينلهم بها مكروه من عدوهم ولا أذى {واتبعوا رضوان الله} [آل عمران: 174] يعني بذلك أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدو وطاعتهم. {والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] يعني: والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم، وعلى غيرهم بنعمة، عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٢٥٣) ↗التحرير والتنوير
تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم [آل عمران: 149] . وقد تقدم القول في القرح عند قوله: إن يمسسكم قرح [آل عمران: 140] . والظاهر أنه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح. [173- 175] الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) يجوز أن يكون الذين قال لهم الناس إلى آخره، بدلا من الذين استجابوا لله والرسول [آل عمران: 172] ، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين [آل عمران: 171] على طريقة ترك العطف في الأخبار. وإنما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماما بشأن هذه الصلة الثانية حتى لا تكون كجزء صلة، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنف، فيكون مبتدأ وخبره قوله: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [آل عمران: 175] أي ذلك القول، كما سيأتي. وهذا تخلص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوهم بعد يوم أحد بعام، إنجازا لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال: موعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجاعل ركبا من عبد القيس مارين بمر الظهران قرب مكة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأن قريشا جمعوا لهم جيشا عظيما، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعدادا وحمية للدين، وخرجوا إلى الموعد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٦٨) ↗