سورة آل عمران · الآية ١٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم [قصدهم] ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران. ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور. وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى. وذلك أن المشركين - بعدما انصرفوا من وقعة " أحد " - تشاوروا بينهم، وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: { بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١٤٩–١٥١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، فقال: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} . ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} . وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (1) . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان -يعني التيمي-عن سيار، عن أبي أمامة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلني [ربي] (2) على الأنبياء -أو قال: على الأمم-بأربع" قال "أرسلت إلى الناس كافة وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت (3) رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده و (4) طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي وأحل لي (5) الغنائم". ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي، عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي -سكن البصرة-عن أبي أمامة صدي بن عجلان، رضي الله عنه، به. وقال: حسن صحيح (6) . وقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نصرت بالرعب على العدو". ورواه (7) مسلم من حديث ابن وهب (8) . وروى الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبيه (9) أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب (10) شهرا، وأعطيت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يا أيها الذين آمنوا لا تطيعوا الذين كفروا، فيردوكم على أعقابكم، ثم ابتدأ الخبر، فقال: {بل الله مولاكم} [آل عمران: 150] فأطيعوه دون الذين كفروا فهو خير من نصر، ولذلك رفع اسم الله، ولو كان منصوبا على معنى: بل أطيعوا الله مولاكم دون الذين كفروا، كان وجها صحيحا. ويعني بقوله: {بل الله مولاكم} [آل عمران: 150] وليكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا، {وهو خير الناصرين} [آل عمران: 150] لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله، فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا وإياه فاستنصروا دون غيره ممن يبغيكم الغوائل ويرصدكم بالمكاره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/١٢٦) ↗التحرير والتنوير
وقوله: فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لحصول خيري الدنيا والآخرة، فثواب الدنيا هو الفتح والغنيمة، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة، ولذلك وصفه بقوله: وحسن ثواب الآخرة لأنه خير وأبقى. وتقدم الكلام على الثواب عند قوله تعالى- في سورة البقرة [103]- لمثوبة من عند الله خير. وجملة والله يحب المحسنين تذييل أي يحب كل محسن، وموقع التذييل يدل على أن المتحدث عنهم هم من الذين أحسنوا، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق، وهذه من أكبر الأدلة على أن (ال) الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وأن الاستغراق المفاد من (ال) إذا كان مدخولها مفردا وجملة سواء. [149، 150] يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) استئناف ابتدائي للانتقال من التوبيخ واللوم والعتاب إلى التحذير، ليتوسل منه إلى معاودة التسلية، على ما حصل من الهزيمة، وفي ضمن ذلك كله، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التاريخية، ما لا يحصيه مريد إحصائه. والطاعة تطلق على امتثال أمر الآمر وهو معروف، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيقال طاعت قبيلة كذا وطوع الجيش بلاد كذا. والذين كفروا شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون، واللفظ صالح بالوضع لكل كافر من مشرك وكتابي، مظهر أو منافق. والرد على الأعقاب: الارتداد، والانقلاب: الرجوع، وقد تقدم القول فيهما عند قوله: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل عمران: 144] فالظاهر أنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٢١) ↗