سورة آل عمران · الآية ١٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم، ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى]: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }. ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104]. ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. { وليعلم الله الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك. { ويتخذ منكم شهدآء } وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الله ورسوله إلا غرورا} الآيات [الأحزاب: 10 -12] . ولما سأل هرقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان (1) الحرب بينكم؟ قال: سجالا يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة (2) (3) . وقوله: {مثل الذين خلوا من قبلكم} أي: سنتهم. كما قال تعالى: {فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 8] . وقوله: {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج والمخرج، عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} كما قال: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] . وكما تكون الشدة ينزل من النصر (4) مثلها؛ ولهذا قال تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك (5) من قنوط عباده، وقرب غيثه (6) فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم (7) قريب" الحديث (8) . قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة. وفيه نظر. ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك، فقال: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي: اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء في الحديث: "أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا، ولا تصاوير الخشب، ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة. هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٥٧٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 214]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٣/٦٣٥) ↗التحرير والتنوير
تزكية أنفسهم، واعتبارا بمواعظ الله تعالى، وجعله للكافرين هلاكا، لأن ما أصابهم في بدر تناسوه، وما انتصروه في أحد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم، على أن المؤمنين في ازدياد، فلا ينقصهم من قتل منهم، والكفار في تناقض فمن ذهب منهم نفد. وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النفوس كمالا وبعضها نقصا قال أبو الطيب: فحب الجبان العيش أورده التقى ... وحب الشجاع العيش أورده الحربا ويختلف القصدان والفعل واحد ... إلى أن نرى إحسان هذا لنا ذنبا وقال تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 124، 125] ، وقال: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] وهذا من بديع تقدير الله تعالى. [142] 142] أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) أم هنا منقطعة، هي بمعنى (بل) الانتقالية، لأن هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأن ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتى قال الزمخشري والمحققون: إنها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره: ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التأويل. فقوله: أم حسبتم عطف على جملة ولا تهنوا [آل عمران: 139] وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النصر الذي شاهدوه يوم بدر، بين الله أن لا وجه للوهن للعلل التي تقدمت، ثم بين لهم هنا: أن دخول الجنة الذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدين فإذا حسبوا دخول الجنة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٠٥) ↗