البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ١٤٠

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم، ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى]: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }. ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: 104]. ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. { وليعلم الله الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك. { ويتخذ منكم شهدآء } وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

إن كنتم مؤمنين} أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون. {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح {وتلك الأيام نداولها بين الناس} أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم (1) ؛ ولهذا قال تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى، أي: من يصبر على مناجزة الأعداء {ويتخذ منكم شهداء} يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته. {والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا} أي: يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به، وقوله: {ويمحق الكافرين} أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم. ثم قال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا [حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب] (2) } [البقرة:214] وقال تعالى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] (3) } [العنكبوت:1-3] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء. وقوله: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} أي: قد كنتم -أيها المؤمنون-قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرقون عليهم، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

القوم قرح مثله} [آل عمران: 140] كلاهما بفتح القاف، بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح يا معشر أصحاب محمد، فقد مس القوم من أعدائكم من المشركين قرح قتل وجراح مثله، وقرأ عامة قراء الكوفة: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٧٩) ↗

التحرير والتنوير

والتعليق بالشرط في قوله: إن كنتم مؤمنين قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علم الله أنهم مؤمنون ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان، وجيء بإن الشرطية التي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتماما لهذا المقصد. [140، 141] إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس. تسلية عما أصاب المسلمين يوم أحد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أن العدو غلب. والمس هنا الإصابة كقوله في سورة البقرة [214] مستهم البأساء والضراء. والقرح- بفتح القاف في لغة قريش- الجرح، وبضمها في لغة غيرهم، وقرأه الجمهور: بفتح القاف، وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف: بضم القاف، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة التي أصابتهم، فإن الهزيمة تشبه بالثلمة وبالانكسار، فشبهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصح أن يراد به الحقيقة لأن الجراح التي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شك أن التسلية وقعت عما أصابهم من الهزيمة. والقوم هم مشركو مكة ومن معهم. والمعنى إن هزمتم يوم أحد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافا. ولذلك أعقبه بقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس. والتعبير عما أصاب المسلمين بصيغة المضارع في يمسسكم لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضي لبعده لأنه حصل يوم بدر. فقوله: فقد مس القوم قرح ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز، والمعنى: إن يمسكم قرح فلا تحزنوا أو فلا تهنوا وهنا بالشك في وعد الله بنصر دينه إذ …

أكمل القراءة في الكتاب ↗