سورة آل عمران · الآية ١٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما نصرهم به يوم بدر وهم أذلة في قلة عددهم وعددهم مع كثرة عدد عدوهم وعددهم، وكانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بثلاث مئة وبضعة عشر من أصحابه، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيرا وفرسان لطلب عير لقريش قدمت من الشام، فسمع به المشركون فتجهزوا من مكة لفكاك عيرهم، وخرجوا في زهاء ألف مقاتل مع العدة الكاملة والسلاح العام والخيل الكثيرة، فالتقوا هم والمسلمون في ماء يقال له " بدر " بين مكة والمدينة فاقتتلوا، ونصر الله المسلمين نصرا عظيما، فقتلوا من المشركين سبعين قتيلا من صناديد المشركين وشجعانهم، وأسروا سبعين، واحتووا على معسكرهم ستأتي - إن شاء الله - القصة في سورة الأنفال، فإن ذلك موضعها، ولكن الله تعالى هنا أتى بها ليتذكر بها المؤمنون ليتقوا ربهم ويشكروه، فلهذا قال { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } لأن من اتقى ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره، إذ تقول يا محمد للمؤمنين يوم بدر مبشرا لهم بالنصر. { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا } أي: من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر { يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملائكة مسومين } أي: معلمين بعلامة الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين وإمدادهم بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين كما تقدم في قوله: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120] { وما جعله الله } أي: إمداده لكم بالملائكة { إلا بشرى } تستبشرون بها وتفرحون { لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله } فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
القول الثاني: أن هذا الوعد متعلق (1) بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري، وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فروا يومئذ -زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف؛ لقوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد. وقوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} يعني: تصبروا على مصابرة عدوكم وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال الحسن، وقتادة، والربيع، والسدي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا. ويقال: من غضبهم هذا. وقوله: {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} أي: معلمين بالسيما. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيلهم (2) . رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في هذه الآية: {مسومين} قال: بالعهن الأحمر. وقال مجاهد: {مسومين} أي: محذقة أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل. وقال العوفي، عن ابن عباس، قال: أتت الملائكة محمدا صلى الله عليه وسلم مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وقال عكرمة وقتادة {مسومين} أي: بسيما القتال، وقال مكحول: {مسومين} بالعمائم. وروى ابن مردويه، من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {مسومين} قال: "معلمين. وكان (3) سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر". وروى من حديث حصين بن مخارق، عن سعيد، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بك من أصحابك: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} [آل عمران: 124] وذلك يوم بدر. ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حربهم، في أي يوم وعدوا ذلك؟ فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدهم بملائكته إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يمدوا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٢٠) ↗التحرير والتنوير
والأهل: الزوج. والكلام بتقدير مضاف يدل عليه فعل غدوت أي من بيت أهلك وهو بيت عائشة- رضي الله عنها-. وتبوئ تجعل مباء أي مكان بوء. والبوء: الرجوع، وهو هنا المقر لأنه يبوء إليه صاحبه. وانتصب المؤمنين على أنه مفعول أول ل (تبوئ) ، ومقاعد مفعول ثان إجراء لفعل تبوىء مجرى تعطي. والمقاعد جمع مقعد. وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض، والقعود ضد الوقوف والقيام، وإضافة مقاعد لاسم للقتال قرينة على أنه أطلق على المواضع اللائقة بالقتال التي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنها لائقة بحركاته، فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية، أو مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق، وشاع ذلك في الكلام حتى ساوى المقر والمكان، ومنه قوله تعالى: في مقعد صدق [القمر: 55] . واعلم أن كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابىء: أعزز علي بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد ذكر ابن الأثير في المثل السائر أن ابن سنان قال: إيراده هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح إلا أنه موافق لما يكره ذكره لا سيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر سهلا. قال ابن الأثير: قد جاءت هذه اللفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ألا ترى أنها في هذه الآية غير مضافة إلى من تقبح إضافتها إليه. [123، 125] 125] ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٧١) ↗