سورة آل عمران · الآية ١١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما بين تعالى الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قآئمة } أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له { يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة: 27].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١١٣–١١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أمة قائمة} أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه (8) متبعة نبي الله، [فهي] (9) {قائمة} يعني مستقيمة {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم (10) {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب] (11) } [الآية199] وهكذا قال هاهنا: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. {والله عليم بالمتقين} أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا. ثم قال تعالى مخبرا عن الكفرة المشركين بأنه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن، والسدي، فقال تعالى:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١٠٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عامة قراء المدينة والحجاز وبعض قراء الكوفة بالتاء في الحرفين جميعا: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) بمعنى: وما تفعلوا أنتم أيها المؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم، وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتين في ذلك جائزا بالياء والتاء في الحرفين. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} [آل عمران: 115] بالياء في الحرفين كليهما، يعني بذلك الخبر عن الأمة القائمة التالية آيات الله. وإنما اخترنا ذلك؛ لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم بمعاني الآيات
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٧٠٠) ↗التحرير والتنوير
بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجد في الأديرة والصوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية. والأمة: الطائفة والجماعة. ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحق، كما يقال: سوق قائمة وشريعة قائمة. والآناء أصله أأناء بهمزتين بوزن أفعال، وهو جمع إنى- بكسر الهمزة وفتح النون مقصورا- ويقال أنى- بفتح الهمزة- قال تعالى: غير ناظرين إناه [الأحزاب: 53] أي منتظرين وقته. وجملة وهم يسجدون حال، أي يتهجدون في الليل بتلاوة كتابهم، فقيدت تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم. وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال: يتهجدون لأنه يدل على صورة فعلهم. ومعنى يسارعون في الخيرات يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها. والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل، والمبادرة إليه، تشبيها للاستكثار والاعتناء بالسير السريع لبلوغ المطلوب. وفي للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزية السرعة في قطعه. ولك أن تجعل مجموع المركب من قوله ويسارعون في الخيرات تمثيلا لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يسرع في سيره. وسيأتي نظيره عند قوله تعالى لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر في سورة العقود [176] . والإشارة بأولئك إلى الأمة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف. وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسم الإشارة من الأوصاف. [115] 115] وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٥٨) ↗