البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ١١٣

﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما بين تعالى الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قآئمة } أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له { يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة: 27].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١١٣–١١٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد (1) العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} قال (2) لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا قال السدي، ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده. حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى قالا حدثنا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم". قال: وأنزلت هذه الآيات: {ليسوا سواء من أهل الكتاب [أمة قائمة] (3) } إلى قوله (4) {والله عليم بالمتقين} (5) . والمشهور عن (6) كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: {ليسوا سواء} أي: ليسوا (7) كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: {من أهل الكتاب] أمة قائمة} أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه (8) متبعة نبي الله، [فهي] (9) {قائمة} يعني مستقيمة {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم (10) {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب] (11) } [الآية199] وهكذا قال هاهنا: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

متفاوتون في الصلاح والفساد والخير والشر. وإنما قيل: ليسوا سواء؛ لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] ، ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين، عنده، المؤمنة منهما والكافرة، فقال: {ليسوا سواء} [آل عمران: 113] أي ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون، ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم وأثنى عليهم بعدما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونخب الجنان، ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] الآيات الثلاث، إلى قوله: {والله عليم بالمتقين} [آل عمران: 115]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٦٨٩) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حق، فالباء سبب السبب، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلة والمسكنة فيكون سببا ثانيا. (وما) مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهذا نشر على ترتيب اللف فكفرهم بالآيات سببه العصيان، وقتلهم الأنبياء سببه الاعتداء. [113، 114] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمهم، تأكيدا لما أفاده قوله منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [آل عمران: 110] فالضمير في قوله ليسوا لأهل الكتاب المتحدث عنهم آنفا، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزل من التي بعدها منزلة التمهيد. و (سواء) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية. وجملة من أهل الكتاب أمة قائمة إلخ ... مبينة لإبهام ليسوا سواء والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة، فلأمة هنا بمعنى الفريق. وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى: وآتوا اليتامى أموالهم [النساء: 2] لأنهم صاروا من المسلمين. وعدل عن أن يقال: منهم أمة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب: ليكون ذا الثناء شاملا لصالحي اليهود، وصالحي النصارى، فلا يختص بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الذين آمنوا بعيسى واتبعوه، وكذلك صالحو النصارى قبل

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٥٧) ↗