البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ١١٠

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [آل عمران: 104] أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات، ولهذا أخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في بواطنهم والمسكنة على ظواهرهم، فلا يستقرون ولا يطمئنون { إلا بحبل } أي: عهد { من الله وحبل من الناس } فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام النصارى وقد { وبآءوا } مع ذلك { بغضب من الله } وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله بقوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين والإيمان، فكفروا بها بغيا وعنادا { ويقتلون الأنبيآء …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي: خيارا {لتكونوا شهداء على الناس [ويكون الرسول عليكم شهيدا] (2) } الآية. وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأنتم أكرم على الله عز وجل" (3) . وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ بن جبل، وأبي سعيد [الخدري] (4) نحوه. وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم (5) فإنه أشرف خلق الله أكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيا قبله ولا رسولا من الرسل. فالعمل [على] (6) منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله -يعني ابن محمد بن عقيل- عن محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، أنه سمع علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء". فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: " نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن (7) . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث، عن معاوية عن بن أبي حليس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أم الدرداء، رضي الله عنها، تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها، يقول (8) إن الله تعالى يقول: يا عيسى، إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، وخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٦٧١) ↗

التحرير والتنوير

مقصود لذاته بحيث لو لم يسبقه الكلام السابق لكان هو حريا بأن يؤمر به، فلا يكون مذكورا لأجل التفرع عن غيره والتبع. وفيه من حسن المقابلة في التقسيم ضرب من ضروب الخطابة: وذلك أنه أنكر على أهل الكتاب كفرهم وصدهم الناس عن الإيمان، فقال: قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله [آل عمران: 98، 99] الآية. وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وقوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الآية. وصيغة ولتكن منكم أمة صيغة وجوب لأنها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنها أصلها. فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزول هذه الآية، فالأمر لتشريع الوجوب، وإذا كان ذلك حاصلا بينهم من قبل كما يدل عليه قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [آل عمران: 110] فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه، وفيه زيادة الأمر بالدعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقررا من قبل بآيات أخرى مثل: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] ، أو بأوامر نبوية. فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدوام والثبات عليه، مثل يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله [النساء: 136] . والأمة الجماعة والطائفة كقوله تعالى: كلما دخلت أمة لعنت أختها [الأعراف: 38] . وأصل الأمة في كلام العرب الطائفة من الناس التي تؤم قصدا واحدا: من نسب أو موطن أو دين، أو مجموع ذلك، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف كقولهم: أمة العرب وأمة غسان وأمة النصارى. والمخاطب بضمير (منكم) إن كان هم أصحاب رسول الله كما هو ظاهر

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٣٧) ↗