سورة آل عمران · الآية ١٠
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم وأنه لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم شيئا، وإن كانوا في الدنيا يستدفعون بذلك النكبات التي ترد عليهم، ويقولون نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [سبأ: 35] فيوم القيامة يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون [الزمر: 48] وليس للأولاد والأموال قدر عند الله، إنما ينفع العبد إيمانه بالله وأعماله الصالحة، كما قال تعالى ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون [سبأ: 73] وأخبر هنا أن الكفار هم وقود النار، أي: حطبها، الملازمون لها دائما أبدا، وهذه الحال التي ذكر الله تعالى أنها لا تغني الأموال والأولاد عن الكفار شيئا، سنته الجارية في الأمم السابقة، كما جرى لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب الأموال والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم الله بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب العقاب وهو الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها، ثم قال تعالى { قل } يا محمد { للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفي هذا إشارة للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما أخبر تعالى، فنصر الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى، وسيفعل هذا تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من آيات القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم مغلوبون في الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا هو الذي مهدوه لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم، { قد كان لكم آية } أي: عبرة عظيمة { في فئتين التقتا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقود النار". وكذا رأيته بهذا اللفظ. وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث، امرأة عبد الله بن شداد، عن أم الفضل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة فقال: "هل بلغت" يقولها ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب -وكان أواها-فقال: اللهم نعم، وحرصت وجهدت ونصحت فاصبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام (1) وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا، وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار" (2) ثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب بنحوه. وقوله تعالى: {كدأب آل فرعون} قال الضحاك، عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والضحاك، وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه (3) آل فرعون، والألفاظ متقاربة. والدأب -بالتسكين، والتحريك أيضا كنهر ونهر-: هو الصنع (4) والشأن والحال والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم %~% يقولون: لا تهلك (5) أسى وتجمل (6) كدأبك من أم الحويرث (7) قبلها %~% وجارتها أم الرباب بمأسل (8) والمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها. والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني (9) عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل (10) فيما جاؤوا (11) به من آيات الله وحججه. { [كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم] (12) والله شديد العقاب} أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
العرب وكفارهم الذين في قلوبهم زيغ، فهم يتبعون من كتاب الله المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} [آل عمران: 10] يعني بذلك أن أموالهم وأولادهم لن تنجيهم من عقوبة الله إن أحلها بهم عاجلا في الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبينهم، واتباعهم المتشابه طلب اللبس فتدفعها عنهم، ولا يغني ذلك عنهم منها شيئا، {وأولئك هم وقود النار} [آل عمران: 10] يعني بذلك حطبها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٢٣٤) ↗التحرير والتنوير
والقصر في قوله: إنك أنت الوهاب للمبالغة، لأجل كمال الصفة فيه تعالى لأن هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به. وفي هذه الجملة تأكيد بإن، وبالجملة الاسمية، وبطريق القصر. وقوله: ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليها، وهو يوم تكون الرحمة سببا للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز، كأنهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصة يوم تجمع الناس كقول إبراهيم: ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [إبراهيم: 41] على ما في تذكر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين، والعلماء الراسخين. ومعنى لا ريب فيه لا ريب فيه جديرا بالوقوع، فالمراد نفي الريب في وقوعه. ونفوه على طريقة نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين، هذا إذا جعلت (فيه) خبرا، ولك أن تجعله صفة لريب وتجعل الخبر محذوفا على طريقة لا النافية للجنس، فيكون التقدير: عندنا، أو لنا. وجملة إن الله لا يخلف الميعاد تعليل لنفي الريب أي لأن الله وعد بجمع الناس له، فلا يخلف ذلك، والمعنى: إن الله لا يخلف خبره، والميعاد هنا اسم مكان. [10، 11] 11] إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) استئناف كلام ناشيء عن حكاية ما دعا به المؤمنون: من دوام الهداية، وسؤال الرحمة، وانتظار الفوز يوم القيامة، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة. وتعقيب دعاء المؤمنين، بذكر حال المشركين،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/١٧١) ↗