البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العنكبوت · الآية ٦٧

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: { وما هذه الحياة الدنيآ } في الحقيقة { إلا لهو ولعب } تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران. وأما الدار الآخرة، فإنها دار { الحيوان } أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { لو كانوا يعلمون } لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين. ثم ألزم تعالى المشركين بإخلاصهم لله تعالى، في حالة الشدة، عند ركوب البحر وتلاطم أمواجه وخوفهم الهلاك، يتركون إذا أندادهم، ويخلصون الدعاء لله وحده لا شريك له، فلما زالت عنهم الشدة، ونجى من أخلصوا له الدعاء إلى البر، أشركوا به من لا نجاهم من شدة، ولا أزال عنهم مشقة. فهلا أخلصوا لله الدعاء في حال الرخاء والشدة، واليسر والعسر، ليكونوا مؤمنين به حقا، مستحقين ثوابه، مندفعا عنهم عقابه. ولكن شركهم هذا بعد نعمتنا عليهم، بالنجاة من البحر، ليكون عاقبته كفر ما آتيناهم، ومقابلة النعمة بالإساءة، وليكملوا تمتعهم في الدنيا، الذي هو كتمتع الأنعام، ليس لهم هم إلا بطونهم وفروجهم. { فسوف يعلمون } حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة، شدة الأسف وأليم العقوبة. ثم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عقوبة ممن كذب على الله فقال: إن الله أوحى إليه شيء، ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر، والثاني مكذب؛ ولهذا قال: {أليس في جهنم مثوى للكافرين} . ثم قال {والذين جاهدوا فينا} يعني: الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين {لنهدينهم سبلنا} ، أي: لنبصرنهم سبلنا، أي: طرقنا في الدنيا والآخرة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد -من أهل عكا -في قول الله (1) : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} قال: الذين يعملون بما يعلمون، يهديهم لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه، وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في نفسه (2) . وقوله: {وإن الله لمع المحسنين} ، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر -قاضي الري -حدثنا أبو جعفر الرازي، عن المغيرة، عن (3) الشعبي قال: قال عيسى بن مريم، عليه السلام: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس (4) الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. [وفي حديث جبريل لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: "أخبرني عن الإحسان". قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". [انتهى تفسير سورة العنكبوت، ولله الحمد والمنة (5) ] (6)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٩٦) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إلى البر، إذا هم بعد أن صاروا إلى البر يشركون بالله الآلهة والأنداد {ليكفروا بما آتيناهم} [النحل: 55] يقول: ليجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليهم في أنفسهم وأموالهم، {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] بكسر اللام، بمعنى: وكي يتمتعوا آتيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: (وليتمتعوا) ، بسكون اللام على وجه الوعيد

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٤١) ↗

التحرير والتنوير

فجيء بحرف المفاجأة للدلالة على أنهم ابتدروا إلى الإشراك في حين حصولهم في البر، أي أسرعوا إلى ما اعتادوه من زيارة أصنامهم والذبح لها. والمفاجأة عرفية بحسب ما يقتضيه الإرساء في البر والوصول إلى مواطنهم فكانوا يبادرون بإطعام الطعام عند الرجوع من السفر. واللام في ليكفروا لام التعليل وهي لام كي وهي متعلقة بفعل يشركون. والكفر هنا ليس هو الشرك ولكنه كفران النعمة بقرينة قوله بما آتيناهم فإن الإيتاء بمعنى الإنعام وبقرينة تفريعه على يشركون فالعلة مغايرة للمعلول وكفران النعمة مسبب عن الإشراك لأنهم لما بادروا إلى شؤون الإشراك فقد أخذوا يكفرون النعمة، فاللام استعارة تبعية، شبه المسبب بالعلة الباعثة فاستعير له حرف التعليل عوضا عن فاء التفريع. وأما اللام في قوله وليتمتعوا بكسر اللام على أنها لام التعليل في قراءة ورش عن نافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. وقرأه قالون عن نافع وابن كثير، وحمزة والكسائي وخلف بسكونها فهي لام الأمر، وهي بعد حرف العطف تسكن وتكسر، وعليه فالأمر مستعمل في التهديد نظير قوله اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] وهو عطف جملة التهديد على جملة فلما نجاهم إلى البر إلخ ... نظير قوله في سورة الروم [34] ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. والتمتع: الانتفاع القصير زمنه. وجملة فسوف يعلمون تفريع على التهديد بالوعيد. [67] 67] أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) هذا تذكير خاص لأهل مكة وإنما خصوا من بين المشركين من العرب لأن أهل مكة قدوة لجميع القبائل ألا ترى أن أكثر قبائل العرب كانوا ينتظرون ماذا يكون من أهل مكة فلما أسلم أهل مكة يوم الفتح أقبلت وفود القبائل معلنة إسلامهم. والجملة معطوفة على جملة فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله [العنكبوت: 65] باعتبار ما

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٣٣) ↗