سورة العنكبوت · الآية ٤٣
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا يقيها من الحر والبرد والآفات، { بيتا وإن أوهن البيوت } أضعفها وأوهاها { لبيت العنكبوت }. فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم. فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل. فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرؤوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله. ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين للعاقل بطلانها وعدمها، ولهذا قال: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } أي: إنه تعالى يعلم - وهو عالم الغيب والشهادة - أنهم ما يدعون من دون الله شيئا موجودا، ولا إلها له حقيقة، كقوله تعالى: إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23] وقوله: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [يونس: 66]. { وهو العزيز الحكيم } الذي له القوة جميعا، التي قهر بها جميع المخلوقات، { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما أمره. { وتلك الأمثال نضربها للناس } أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} . وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان، عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} . يقول تعالى [مخبرا] (2) عن قدرته العظيمة: أنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني: لا على وجه العبث واللعب، {لتجزى كل نفس بما تسعى} [طه: 15] ، {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] . وقوله: {إن في ذلك لآية للمؤمنين} أي: لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية. ثم قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} يعني: أن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش والمنكرات، أي: إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران، وابن عباس مرفوعا: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا" (3) . [ذكر الآثار الواردة في ذلك] (4) : قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له" (5) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٨٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قال ابن جريج: وقال مجاهد: «أيود أحدكم أن تكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنة، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئا وأولاده صغار ولا يغنون عنه شيئا، وكذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 266] ، الآية، يقول: " أصابها ريح فيها سموم شديدة، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، فهذا مثل، فاعقلوا عن الله جل وعز أمثاله، فإنه قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] هذا رجل كبرت سنه ودق عظمه وكثر عياله، ثم احترقت جنته على بقية ذلك كأحوج ما يكون إليه، يقول: أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة كأحوج ما يكون إليه؟ " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} [البقرة: 266] إلى قوله: {فاحترقت} [البقرة: 266] يقول: «فذهبت جنته كأحوج ما كان إليها حين كبرت سنه وضعف عن الكسب، وله ذرية ضعفاء لا ينفعونه» قال: وكان الحسن يقول: " فاحترقت فذهبت أحوج ما كان إليها، فذلك قوله: أيود أحدكم أن يذهب عمله أحوج ما كان إليه؟ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ضرب الله مثلا حسنا، وكل أمثاله حسن تبارك وتعالى، PageEndV04P687 وقال: قال أيوب {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل} [البقرة: 266] إلى قوله: {فيها من كل الثمرات} [البقرة: 266] يقول: صنعه في شبيبته فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار، فأحرق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون عليه، وكذلك الكافر يوم القيامة إذا رد إلى الله تعالى ليس له خير فيستعتب كما ليس له قوة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
فسر المعرفة بإدراك الشيء بواسطة آثاره وخصائصه المحسوسة، وأنها أضعف من العلم لأن العلم شاع في معرفة حقائق الأشياء ونسبها. وعن الخليل بن أحمد (1) «العلم معرفتان مجتمعان، ففي قولك: عرفت زيدا قائما، يكون (قائما) حالا من (زيدا) ، وفي قولك: علمت زيدا قائما، يكون (قائما) مفعولا ثانيا ل (علمت) اه. يريد أن فعل (عرف) يدل على إدراك واحد وهو إدراك الذات، وفعل (علم) يدل على إدراكين هما إدراك الذات وإدراك ثبوت حكم لها، على نحو ما قاله أهل المنطق في التصور والتصديق، فلذلك لم يرد في الكتاب والسنة إسناد فعل المعرفة إلى الله فكيف يسند إليه ما يؤول بمعناها. وجملة وهو العزيز الحكيم تذييل لجملة إن الله يعلم لأن الجملة على كلا المعنيين في معاني ما تدل على أن الذي بين حقارة حال الأصنام واختلال عقول عابديها فلم يعبأ بفضحها وكشفها بما يسوءها مع وفرة أتباعها ومع أوهام أنها لا يمسها أحد بسوء إلا كانت ألبا عليه فلو كان للأصنام حظ في الإلهية لما سلم من ضرها من يحقرها كقوله تعالى قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا [الإسراء: 42] كما تقدم، وأنه لما فضح عقول عبادها لم يخشهم على أوليائه بله ذاته، فهو عزيز لا يغلب، وحكيم لا تنطلي عليه الأوهام والسفاسط بخلاف حال هاتيك وأولئك. وقرأ الجمهور تدعون بالفوقية على طريقة الالتفات. وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتحتية. [43] 43] وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) بعد أن بين الله لهم فساد معتقدهم في الأصنام، وأعقبه بتوقيفهم على جهلهم بذلك، نعى عليهم هنا أنهم ليسوا بأهل لتفهم تلك الدلائل التي قربت إليهم بطريقة التمثيل، فاسم الإشارة يبينه الاسم المبدل منه وهو الأمثال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٥٥) ↗