البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العنكبوت · الآية ٣١

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين } إلى آخر القصة. تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم. فقوله تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وإن كان عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، والله أعلم. فأرسل الله لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبين لهم قبائحها في نفسها، وما تؤول إليه من العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا. { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين }. فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و { قال رب انصرني على القوم المفسدين } فاستجاب الله دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. فمروا بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم أين يريدون؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول: { إن فيها لوطا } فقالوا له: { لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له: { لا تخف ولا تحزن } وأخبروه أنهم رسل الله. { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

لما استنصر لوط عليه السلام، الله عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام، في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رأى أنه لا همة لهم إلى الطعام نكرهم، وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة -وكانت حاضرة -فتعجبت من ذلك، كما تقدم بيانه في سورة "هود" و"الحجر". فلما جاءت إبراهيم بالبشرى، وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم ينظرون، لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا: {إنا مهلكو أهل هذه القرية} ، {قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم. ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم كذلك، {سيء بهم وضاق بهم ذرعا} أي: اهتم (1) بأمرهم، إن هو أضافهم خاف (2) عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. {قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} ، وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل [الله] (3) مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد (4) ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة} أي: واضحة، {لقوم يعقلون} ، كما قال {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] . يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: {يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} . . قال ابن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، قرية سدوم، وهي قرية قوم لوط {إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] يقول: إن أهلها كانوا ظالمي أنفسهم بمعصيتهم الله، وتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} [العنكبوت: 31] إلى قوله {نحن أعلم بمن فيها} [العنكبوت: 32] قال: فجادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا، قال: فقال: أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين , أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات، ولا خمسة، ولا أربعة، PageEndV18P394 ولا ثلاثة، ولا اثنان؛ قال: فحزن على لوط وأهل بيته، فقال {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [العنكبوت: 32] فذلك قوله: {يجادلنا في قوم لوط، إن إبراهيم لحليم أواه منيب} [هود: 75]، فقالت الملائكة: {يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [هود: 76] فبعث الله إليهم جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فانتسف المدينة وما فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها سافلها، وتتبعهم بالحجارة بكل أرض "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٩٣) ↗

التحرير والتنوير

ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) لما أداة تدل على التوقيت، والأصل أنها ظرف ملازم الإضافة إلى جملة. ومدلولها وجود لوجود، أي وجود مضمون الجملة التي تضاف إليها عند وجود الجملة التي تتعلق بها فهي تستلزم جملتين: أولاهما فعلية ماضوية وتضاف إليها لما، والثانية فعلية أو اسمية مشتملة على ما يصلح لأن يتعلق به الظرف من فعل أو اسم مشتق، ويطلق على الجملة الثانية الواقعة بعد لما اسم الجزاء تسامحا. ولما كانت لما ظرفا مبهما تعين أن يكون مضمون الجملة التي تضاف إليها لما معلوما للسامع، إذ التوقيت الإعلام بمقارنة زمن مجهول بزمن معلوم. فوجود لما هنا يقتضي أن مجيء الملائكة بالبشرى أمر معلوم للسامع مع أنه لم يتقدم ذكر للبشرى، فتعين أن يكون التعريف في البشرى تعريف العهد لاقتضاء لما أن تكون معلومة، فالبشرى هي ما دل عليه قوله تعالى آنفا ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوءة والكتاب [العنكبوت: 27] كما تقدم بيانه. والبشرى: اسم للبشارة وهي الإخبار بما فيه مسرة للمخبر- بفتح الباء- وتقدم ذكر البشارة عند قوله تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا في سورة البقرة [119] . ومن لطف الله بإبراهيم أن قدم له البشرى قبل إعلامه بإهلاك قوم لوط لعلمه تعالى بحلم إبراهيم. والمعنى: قالوا لإبراهيم إنا مهلكوا أهل هذه القرية إلخ. والقرية هي (سدوم) قرية قوم لوط. وقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف. وجملة إن أهلها كانوا ظالمين تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم لقبول هذا الخبر المحزن، وأيضا لأن العدل يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ذنب يقتضيه.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٤٢) ↗