سورة العنكبوت · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لم يزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو قومه، وهم مستمرون على عنادهم، إلا أنه آمن له بدعوته لوط، الذي نبأه الله، وأرسله إلى قومه كما سيأتي ذكره. { وقال } إبراهيم حين رأى أن دعوة قومه لا تفيدهم شيئا: { إني مهاجر إلى ربي } أي: هاجر أرض السوء، ومهاجر إلى الأرض المباركة، وهي الشام، { إنه هو العزيز } أي: الذي له القوة، وهو يقدر على هدايتكم، ولكنه حكيم ما اقتضت حكمته ذلك، ولما اعتزلهم وفارقهم، وهم بحالهم، لم يذكر الله عنهم أنه أهلكهم بعذاب، بل ذكر اعتزاله إياهم، وهجرته من بين أظهرهم. فأما ما يذكر في الإسرائيليات، أن الله تعالى فتح على قومه باب البعوض، فشرب دماءهم، وأكل لحومهم، وأتلفهم عن آخرهم، فهذا يتوقف الجزم به على الدليل الشرعي، ولم يوجد، فلو كان الله استأصلهم بالعذاب لذكره كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة، ولكن لعل من أسرار ذلك، أن الخليل عليه السلام من أرحم الخلق وأفضلهم [وأحلمهم] وأجلهم، فلم يدع على قومه كما دعا غيره، ولم يكن الله ليجري بسببه عذابا عاما. ومما يدل على ذلك، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط، وجادلهم، ودافع عنهم، وهم ليسوا قومه، والله أعلم بالحال. { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } أي: بعد ما هاجر إلى الشام { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا [من] أعظم المناقب والمفاخر، أن تكون مواد الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون. { وآتيناه أجره في الدنيا } من الزوجة الجميلة فائقة الجمال، والرزق الواسع، والأولاد، الذين بهم قرت عينه، ومعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } بل هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم أفضل الصالحين على الإطلاق، وأعلاهم منزلة، فجمع الله له بين سعادة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا عليه السلام، آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل "سدوم" وإقليمها، وكان من أمرهم (1) ما تقدم وما سيأتي. وقوله: {وقال إني مهاجر إلى ربي} يحتمل عود الضمير في قوله: {وقال} ، على لوط، لأنه (2) أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم -قال (3) ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: {فآمن له لوط} أي: من قومه. ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك؛ ولهذا قال: {إنه هو العزيز} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، {الحكيم} في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقال قتادة: هاجرا جميعا من "كوثى"، وهي من سواد (4) الكوفة إلى الشام. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، حتى تلفظهم أرضهم وتقذرهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم". وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث، فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال (5) : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته؛ إذ جاء رجل، فانتبذ الناس وعليه خميصة، وإذا (6) هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم (7) أرضوهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل منهم من تخلف". قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٨٣) ↗التحرير والتنوير
ولما كان في قوله مودة بينكم شائبة ثبوت منفعة لهم في عبادة الأوثان إذ يكتسبون بذلك مودة بينهم تلذ لنفوسهم قرنه بقوله في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض إلخ تنبيها لسوء عاقبة هذه المودة وإزالة للغرور والغفلة، ليعلموا أن اللذات العاجلة لا عبرة بها إن كانت تعقب ندامة آجلة. ومعنى يكفر بعضكم ببعض أن المخاطبين يكفرون بالأصنام التي كانوا يعبدونها إذ يجحدون يوم القيامة أنهم كانوا يعبدونها. ومعنى ويلعن بعضكم بعضا أن المخاطبين يلعن كل واحد منهم الآخرين إما لأن الملعونين غروا اللاعنين فسولوا لهم اتخاذ الأصنام، وإما لأنهم وافقوهم على ذلك. وهذه مخاز تلحق بعضهم من بعض، ثم ذكر ما يعمهم من عذاب الخزي بقوله ومأواكم النار. ثم ذكر ما يعمهم جميعا من انعدام النصير فقال وما لكم من ناصرين فنفى عنهم جنس الناصر. وهو من يزيل عنهم ذلك الخزي. وجيء في نفي الناصر بصيغة الجمع هنا خلافا لقوله آنفا وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير [العنكبوت: 22] لأنهم لما تألبوا على إبراهيم وتجمعوا لنصرة أصنامهم كان جزاؤهم حرمانهم من النصراء مطابقة بين الجزاء والحالة التي جوزوا عليها. على أن المفرد والجمع في حيز النفي سواء في إفادة نفي كل فرد من الجنس. [26] 26] فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) فآمن له لوط. جملة معترضة بين الإخبار عن إبراهيم اعتراض التفريع، وأفادت الفاء مبادرة لوط بتصديق إبراهيم، والاقتصار على ذكر لوط يدل على أنه لم يؤمن به إلا لوط لأنه الرجل الفرد الذي آمن به وأما امرأة إبراهيم وامرأة لوط فلا يشملهما اسم القوم في قوله تعالى وإبراهيم إذ قال لقومه [العنكبوت: 16] الآية لأن القوم خاص برجال القبيلة قال زهير: أقوم آل حصن أم نساء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٣٧) ↗