سورة العنكبوت · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى أنه أرسل خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قومه، يدعوهم إلى الله، فقال [لهم]: { اعبدوا الله } أي: وحدوه، وأخلصوا له العبادة، وامتثلوا ما أمركم به، { واتقوه } أن يغضب عليكم، فيعذبكم، وذلك بترك ما يغضبه من المعاصي، { ذلكم } أي: عبادة الله وتقواه { خير لكم } من ترك ذلك، وهذا من باب إطلاق " أفعل التفضيل " بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن ترك عبادة الله، وترك تقواه، لا خير فيه بوجه، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس، لأنه لا سبيل إلى نيل كرامته في الدنيا والآخرة إلا بذلك، وكل خير يوجد في الدنيا والآخرة، فإنه من آثار عبادة الله وتقواه. { إن كنتم تعلمون } ذلك، فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار، فلما أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبين لهم نقصها وعدم استحقاقها للعبودية، فقال: { إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا } تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك، { إن الذين تعبدون من دون الله } في نقصه، وأنه ليس فيه ما يدعو إلى عبادته، { لا يملكون لكم رزقا } فكأنه قيل: قد بان لنا أن هذه الأوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن من هذا وصفه، لا يستحق أدنى أدنى أدنى مثقال مثقال مثقال ذرة من العبادة والتأله، والقلوب لا بد أن تطلب معبودا تألهه وتسأله حوائجها، فقال - حاثا لهم على من يستحق العبادة - { فابتغوا عند الله الرزق } فإنه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه، { واعبدوه } وحده لا شريك له، لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير، { واشكروا له } وحده، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها. { إليه ترجعون } يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
في كيدك ورد ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب. يقول تعالى مخبرا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} قال الله مجيبا لهم: {قل} يا محمد {عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} . [قال ابن عباس أن يكون قرب -أو: أن يقرب -لكم بعض الذي تستعجلون] (1) . وهكذا (2) قال مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي. وهذا هو المراد بقوله تعالى: {ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} [الإسراء: 51] ، وقال تعالى {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [العنكبوت: 54] . وإنما دخلت "اللام" في قوله: {ردف لكم} ؛ لأنه ضمن معنى "عجل لكم" كما قال مجاهد في رواية عنه: {عسى أن يكون ردف لكم} : عجل لكم. ثم قال الله تعالى: {وإن ربك لذو فضل على الناس} أي: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] ، {يعلم السر وأخفى} [طه: 7] ، {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] . ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة -وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه -فقال: {وما من غائبة في السماء والأرض} قال ابن عباس: يعني: وما من شيء، {في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} وهذا كقوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٠٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[النمل: 69] إلى ديار من كان قبلكم من المكذبين رسل الله ومساكنهم كيف هي، ألم يخربها الله، ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم، وردهم عليهم نصائحهم فخلت منهم الديار وتعفت منهم الرسوم والآثار، فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم، وذلك سنة ربكم في كل من سلك سبيلهم في تكذيب رسل ربهم، والله فاعل ذلك بكم إن أنتم لم تبادروا الإنابة من كفركم وتكذيبكم رسول ربكم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١١٢) ↗التحرير والتنوير
20] قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) اعتراض انتقالي من الإنكار عليهم ترك الاستدلال بما هو بمرأى منهم، إلى إرشادهم للاستدلال بما هو بعيد عنهم من أحوال إيجاد المخلوقات وتعاقب الأمم وخلف بعضها عن بعض، فإن تعود الناس بما بين أيديهم يصرف عقولهم عن التأمل فيما وراء ذلك من دلائل دقائقها على ما تدل عليه، فلذلك أمر الله رسوله أن يدعوهم إلى السير في الأرض ليشاهدوا آثار خلق الله الأشياء من عدم فيوقنوا أن إعادتها بعد زوالها ليس بأعجب من ابتداء صنعها. وإنما أمر بالسير في الأرض لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوياتها ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها فيرى كثيرا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جولانا لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه، لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبا عن بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة. وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل الماضي لأن السائر ليس له من قرار في طريقه فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها بعد أن لم تكن وأنه قادر على إيجاد أمثالها فهو بالأحرى قادر على إعادتها بعد عدمها. والاستدلال بالأفعال التي مضت أمكن لأن للشيء المتقرر تحققا محسوسا. وجيء في هذا الاستدلال بفعل النظر لأن إدراك ما خلقه الله حاصل بطريق البصر وهو بفعل النظر أولى وأشهر لينتقل منه إلى إدراك أنه ينشئ النشأة الآخرة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٣٠) ↗