البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العنكبوت · الآية ٢

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن [تمام] حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ١–٣) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

هو أغلظ من هذا وأطم؛ ولهذا قال: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} أي: يفوتونا، {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما يظنون. يقول تعالى: {من كان يرجو لقاء الله} أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفورا (1) ، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات (2) ؛ ولهذا قال: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم} . وقوله: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} ، كقوله: {من عمل صالحا فلنفسه} [فصلت: 46] أي: من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل [واحد] (3) منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئا؛ ولهذا قال: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} . قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يوما من الدهر بسيف. ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبره بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما (4) كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] ، وقال هاهنا: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه (5) غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وأما قوله: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 2] فإن معناه: أظن الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم، أن نتركهم بغير اختبار، ولا ابتلاء امتحان، بأن قالوا: آمنا بك يا محمد، فصدقناك فيما جئتنا به من عند الله، كلا، لنختبرهم ليتبين الصادق منهم من الكاذب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٥٥) ↗

التحرير والتنوير

الم (1) تقدم القول في معاني أمثالها مستوفى عند مفتتح سورة البقرة. واعلم أن التهجي المقصود به التعجيز يأتي في كثير من سور القرآن وليس يلزم أن يقع ذكر القرآن أو الكتاب بعد تلك الحروف وإن كان ذلك هو الغالب في سور القرآن ما عدا ثلاث سور وهي فاتحة سورة مريم وفاتحة هذه السورة وفاتحة سورة الروم. على أن هذه السورة لم تخل من إشارة إلى التحدي بإعجاز القرآن لقوله تعالى أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت: 51] . [2] 2] أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) الاستفهام في أحسب مستعمل في الإنكار، أي إنكار حسبان ذلك. وحسب بمعنى ظن، وتقدم في قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة في سورة البقرة [214] . والمراد بالناس كل الذين آمنوا، فالقول كناية عن حصول المقول في نفس الأمر، أي أحسب الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا، فقوله أن يتركوا مفعول أول ل حسب. وقوله أن يقولوا آمنا شبه جملة في محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع (أن) حذفا مطردا، والتقدير: أحسب الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم: آمنا، فإن أفعال الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان حقها أن يكون مفعولها واحدا دالا على حالة، ولكن جرى استعمال الكلام على أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولا، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولا ثانيا. ولذلك قالوا: إن مفعولي أفعال القلوب (أي العلم ونحوه) أصلهما مبتدأ وخبر. والترك: عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به. والترك هنا مستعمل في حقيقته لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم وذلك مظنة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعا في إقلاعهم عن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٠٢) ↗