سورة العنكبوت · الآية ١٣
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن افتراء الكفار ودعوتهم للمؤمنين إلى دينهم، وفي ضمن ذلك، تحذير المؤمنين من الاغترار بهم والوقوع في مكرهم، فقال: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا } فاتركوا دينكم أو بعضه واتبعونا في ديننا، فإننا نضمن لكم الأمر { ولنحمل خطاياكم } وهذا الأمر ليس بأيديهم، فلهذا قال: { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } لا قليل ولا كثير. فهذا التحمل، ولو رضي به صاحبه، فإنه لا يفيد شيئا، فإن الحق لله، والله تعالى لم يمكن العبد من التصرف في حقه إلا بأمره وحكمه، وحكمه " أن لا تزر وازرة وزر أخرى ". ولما كان قوله: { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } قد يتوهم منه أيضا، أن الكفار الداعين إلى كفرهم - ونحوهم ممن دعا إلى باطله - ليس عليهم إلا ذنبهم الذي ارتكبوه، دون الذنب الذي فعله غيرهم، ولو كانوا متسببين فيه، قال: [مخبرا عن هذا الوهم] { وليحملن أثقالهم } أي: أثقال ذنوبهم التي عملوها { وأثقالا مع أثقالهم } وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع [لكل من التابع]، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع [لأنه] تسبب في فعله ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي أجره بالتسبب. { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } من الشر وتزيينه، [وقولهم] { ولنحمل خطاياكم }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ١٢–١٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… فلان ابن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي (5) من كانت له تباعة -أو: ظلامة -عند فلان ابن فلان، فهلم. فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي. فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي. فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه". ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} . وهذا الحديث له شاهد (6) في الصحيح (7) من غير هذا الوجه. وقال (8) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة (9) الثمالي، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعيه (10) ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك (11) الله منك" (12) . هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح (1) عليه السلام: أنه مكث (2) في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا، وجهارا،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٦٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله مع أوزارهم، وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يكذبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم الأباطيل، وقيلهم لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٦٩) ↗التحرير والتنوير
بذلك. فصيغة أمرهم أنفسهم بالحمل آكد من الخبر عن أنفسهم بذلك، ومن الشرط وما في معناه، لأن الأمر يستدعي الامتثال فكانت صيغة الأمر دالة على تحقيق الوفاء بالحمالة. وواو العطف لجملة ولنحمل على جملة اتبعوا سبيلنا مراد منها المعية بين مضمون الجملتين في الأمر وليس المراد منه الجمع في الحصول فالجملتان في قوة جملتي شرط وجزاء، والتعويل على القرينة. فكان هذا القول أدل على تأكيد الالتزام بالحالة إن اتبع المسلمون سبيل المشركين، من أن يقال: إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، بصيغة الشرط، أو أن يقال: اتبعوا سبيلنا فنحمل خطاياكم، بفاء السببية. والحمل: مجاز تمثيلي لحال الملتزم بمشقة غيره بحال من يحمل متاع غيره فيؤول إلى معنى الحمالة والضمان. ودل قوله خطاياكم على العموم لأنه جمع مضاف وهو من صيغ العموم. وقوله وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إبطال لقولهم ولنحمل خطاياكم، نقض العموم في الإثبات بعموم في النفي، لأن شيء في سياق النفي يفيد العموم لأنه نكرة، وزيادة حرف من تنصيص على العموم. والحمل المنفي هو ما كان المقصود منه دفع التبعة عن الغير وتبرئته من جناياته، فلا ينافيه إثبات حمل آخر عليهم هو حمل المؤاخذة على التضليل في قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13] . والكذب المخبر به عنهم هو الكذب فيما اقتضاه أمرهم أنفسهم بأن يحملوا عن المسلمين خطاياهم حسب زعمهم والوفاء بذلك كما كانوا في الدنيا فهو كذب لا شك فيه لأنه مخالف للواقع ولاعتقادهم. ولذلك فجملة إنهم لكاذبون بدل اشتمال من جملة وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء لأن جملة وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء تضمنت عرو قولهم ولنحمل خطاياكم عن مطابقته للواقع في شيء وذلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٢٠) ↗