سورة العنكبوت · الآية ١١
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب، بين تعالى أن من الناس فريقا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل، فقال: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذآ أوذي في الله } بضرب، أو أخذ مال، أو تعيير، ليرتد عن دينه، وليراجع الباطل، { جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي: يجعلها صادة له عن الإيمان والثبات عليه، كما أن العذاب صاد عما هو سببه. { ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } لأنه موافق للهوى، فهذا الصنف من الناس من الذين قال الله فيهم: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران المبين [الحج: 11]. { أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } حيث خبركم بهذا الفريق، الذي حاله كما وصف لكم، فتعرفون بذلك كمال علمه وسعة حكمته. { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } أي: فلذلك قدر محنا وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، لأنهم قد يحتجون على الله، أنهم لو ابتلوا لثبتوا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ١٠–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال تعالى: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} [النساء: 141] ، وقال تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] . وقال تعالى مخبرا عنهم هاهنا: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} ، ثم قال تعالى: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي: أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة؟ وقوله: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، ومن يطيع الله في الضراء والسراء، إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] ، وقال تعالى بعد وقعة أحد، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الآية [آل عمران: 179] ، [والله أعلم] (1) . يقول تعالى مخبرا عن كفار قريش: أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، {ولنحمل خطاياكم} أي: وآثامكم -إن كانت لكم آثام في ذلك -علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: "افعل هذا وخطيئتك في رقبتي". قال الله تكذيبا لهم: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} أي: فيما قالوه: إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] ، وقال تعالى: {ولا يسأل حميم حميما. يبصرونهم} [المعارج: 10، 11] . وقوله: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} : إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارا أخر بسبب من أضلوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والابتلاء والاختبار وبمسارعة المسارع منكم إلى الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، وتثاقل المتثاقل منكم عنها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٦٧) ↗التحرير والتنوير
منبه بن الحجاج. فهؤلاء استنزلهم الشيطان فعادوا إلى الكفر بقلوبهم لضعف إيمانهم وكان ما لحقهم من الأذى سببا لارتدادهم ولكنهم جعلوا يظهرون للمسلمين أنهم معهم. ولعل هذا التظاهر كان بتمالؤ بينهم وبين المشركين فرضوا منهم بأن يختلطوا بالمسلمين ليأتوا المشركين بأخبار المسلمين: فعدهم الله منافقين وتوعدهم بهذه الآية. وقد أومأ قوله تعالى من يقول آمنا بالله إلى أن إيمان هؤلاء لم يرسخ في قلوبهم وأومأ قوله جعل فتنة الناس كعذاب الله إلى أن هذا الفريق معذبون بعذاب الله، وأومأ قوله: وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين [العنكبوت: 11] إلى أنهم منافقون يبطنون الكفر، فلا جرم أنهم من الفريق الذين قال الله تعالى فيهم ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله [النحل: 106] ، وأنهم غير الفريق الذين استثنى الله تعالى بقوله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] . فليس بين هذه الآية وآيات أواخر سورة النحل اختلاف كما قد يتوهم من سكوت المفسرين عن بيان الأحكام المستنبطة من هذه الآية مع ذكرهم الأحكام المستنبطة من آيات سورة النحل. وحرف الظرفية من قوله أوذي في الله مستعمل في معنى التعليل كاللام، أي أوذي لأجل الله، أي لأجل اتباع ما دعاه الله إليه. وقوله جعل فتنة الناس كعذاب الله يريد جعلها مساوية لعذاب الله كما هو مقتضى أصل التشبيه، فهؤلاء إن كانوا قد اعتقدوا البعث والجزاء فمعنى هذا الجعل: أنهم سووا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما هو ظاهر التشبيه فتوقوا فتنة الناس وأهملوا جانب عذاب الله فلم يكترثوا به إعمالا لما هو عاجل ونبذا للآجل وكان الأحق بهم أن يجعلوا عذاب الله أعظم من أذى الناس، وإن كانوا نبذوا اعتقاد البعث تبعا لنبذهم الإيمان، فمعنى الجعل: أنهم جعلوه كعذاب الله عند المؤمنين الذين يؤمنون بالجزاء. فالخبر من قوله ومن الناس إلى قوله كعذاب الله مكنى به عن الذم والاستحماق على كلا الاحتمالين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗