سورة القصص · الآية ٨٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن } أي: أنزله، وفرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، والدعوة لأحكام جميع المكلفين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد، يجازى فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم. وقد بينت لهم الهدى، وأوضحت لهم المنهج، فإن تبعوك، فذلك حظهم وسعادتهم، وإن أبوا إلا عصيانك والقدح بما جئت به من الهدى، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق، فلم يبق للمجادلة محل، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة، والمحق والمبطل. ولهذا قال: { قل ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي، وأن أعداءه هم الضالون المضلون. { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } أي: لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا. { إلا رحمة من ربك } بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، [علمت] أن جميع ما أمر به ونهى عنه، فإنه رحمة وفضل من الله، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع. { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } أي: معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة. { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك } بل أبلغها وأنفذها، ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها، ولا تتبع أهواءهم. { وادع إلى ربك } أي: اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك، فكل ما خالف ذلك فارفضه، من رياء، أو سمعة، أو موافقة أغراض أهل الباطل، فإن ذلك داع إلى الكون معهم، ومساعدتهم على أمرهم، ولهذا قال: { ولا تكونن من المشركين } لا في شركهم، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (1) : {لرادك إلى معاد} : إلى الموت. ولهذا طرق عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وفي بعضها: لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي قزعة، وأبي مالك، وأبي صالح. وقال الحسن البصري: أي والله، إن له لمعادا (2) ، يبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه (3) : حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس: {لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة. وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى -وهو ابن عبيد الطنافسي -به (4) . وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس: {لرادك إلى معاد} أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: {لرادك إلى معاد} : إلى مولدك بمكة. قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس، ويحيى بن الجزار، وسعيد بن جبير، وعطية، والضحاك، نحو ذلك. [وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة، عن الضحاك] (5) قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إلى مكة. وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {لرادك إلى معاد} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها، وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: {لرادك إلى معاد} قال: إلى بيت المقدس. وهذا -والله أعلم -يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة؛ لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولا تشهده، ثم تتلو ذلك على قومك من قريش، إلا أن ربك رحمك، فأنزله عليك، فقوله: {إلا رحمة من ربك} [الإسراء: 87] استثناء منقطع.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٥٢) ↗