سورة القصص · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام، قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما، وقد يستفاد هذا أيضا من الآية الكريمة من قوله (1) : {فلما قضى موسى الأجل} أي: الأكمل منهما، والله (2) أعلم. قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قضى عشر سنين، وبعدها عشرا أخر. وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله (3) أعلم. وقوله: {وسار بأهله} قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك [إذ] (4) {آنس من جانب الطور نارا} أي: رأى نارا تضيء له على بعد، {قال لأهله امكثوا إني آنست نارا} أي: حتى أذهب إليها، {لعلي آتيكم منها بخبر} . وذلك لأنه قد أضل الطريق، {أو جذوة من النار} أي: قطعة منها (5) ، {لعلكم تصطلون} أي: تتدفؤون بها من البرد. قال الله تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن} أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى (6) : {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} ، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتا في أمرها، فناداه ربه: {من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة} . قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى، عليه السلام، سمرة خضراء ترف. إسناده مقارب. وقال محمد بن إسحاق، عن بعض من لا يتهم، عن وهب بن منبه قال: شجرة من العليق، وبعض أهل الكتاب يقول: من العوسج. وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وذكر أن الذي وفاه من الأجلين أتمهما وأكملهما، وذلك العشر الحجج، على أن بعض أهل العلم قد روي عنه أنه قال: زاد مع العشر عشرا أخرى.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٣٤) ↗التحرير والتنوير
… بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج. وهذا الاعتراض نشأ عن جملة ولتعلم أن وعد الله حق [القصص: 13] فإن وعد الله لها قد حكي في قوله تعالى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين [القصص: 7] . فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله فرددناه إلى أمه كي تقر عينها [القصص: 13] إلى آخره كمل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله [القصص: 29] . وتقدم نظير هذه الآية في سورة يوسف، إلا قوله واستوى فقيل: إن استوى بمعنى بلغ أشده، فيكون تأكيدا، والحق أن الأشد كمال القوة لأن أصله جمع شدة بكسر الشين بوزن نعمة وأنعم وهي اسم هيئة بمعنى القوة ثم عومل معاملة المفرد. وأن الاستواء: كمال البنية كقوله تعالى في وصف الزرع فاستغلظ فاستوى على سوقه [الفتح: 29] ، ولهذا أريد لموسى الوصف بالاستواء ولم يوصف يوسف إلا ببلوغ الأشد خاصة لأن موسى كان رجلا طوالا كما في الحديث «كأنه من رجال شنؤة» فكان كامل الأعضاء ولذلك كان وكزه القبطي قاضيا على الموكوز. والحكم: الحكمة، والعلم: المعرفة بالله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٨٧) ↗