البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة القصص · الآية ١٧

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدر له من النبوة والتكليم: قضية قتله ذلك القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء. وقال ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار. وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة. {فوجد فيها رجلين يقتتلان} أي: يتضاربان ويتنازعان، {هذا من شيعته} أي: من بني إسرائيل (1) ، {وهذا من عدوه} أي: قبطي، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي {فوكزه موسى فقضى عليه} . قال مجاهد: وكزه، أي: طعنه بجمع (2) كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه. {فقضى عليه} أي: كان فيها حتفه فمات، قال موسى: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين. قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم. قال رب بما أنعمت علي} أي: بما جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة {فلن أكون ظهيرا} أي: معينا {للمجرمين} أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك. يقول تعالى مخبرا عن موسى، عليه السلام (3) ، لما قتل ذلك القبطي: إنه أصبح {في المدينة خائفا} أي: من معرة ما فعل، {يترقب} أي: يتلفت ويتوقع (4) ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذاك (5) الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى، استصرخه على الآخر، فقال له موسى: {إنك لغوي مبين} أي: ظاهر الغواية كثير الشر. ثم عزم على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس} وذلك لأنه لم

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٢٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ظلمت نفسي} [النمل: 44] بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها، فاعف عن ذنبي ذلك، واستره علي، ولا تؤاخذني به فتعاقبني عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١٩٠) ↗

التحرير والتنوير

وجملة فغفر له معترضة بين جملة قال رب إني ظلمت نفسي وجملة قال رب بما أنعمت علي [القصص: 17] كان اعتراضها إعلاما لأهل القرآن بكرامة موسى عليه السلام عند ربه. وجملة إنه هو الغفور الرحيم تعليل لجملة فغفر له علل المغفرة له بأنه شديد الغفران ورحيم بعباده، مع تأكيد ذلك بصيغة القصر إيماء إلى أن ما جاء به هو من ظلم نفسه وما حفه من الأمور التي ذكرناها. [17] قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) إعادة قال أفاد تأكيدا لفعل قال رب إني ظلمت نفسي [القصص: 16] . أعيد القول للتنبيه على اتصال كلام موسى حيث وقع الفصل بينه بجملتي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم [القصص: 16] . ونظم الكلام: قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، رب بما أنعمت فلن أكون ظهيرا للمجرمين، وليس قوله قال رب بما أنعمت علي مستأنفا عن قوله فغفر له [القصص: 16] لأن موسى لم يعلم أن الله غفر له إذ لم يكن يوحى إليه يومئذ. والباء للسببية في بما أنعمت علي و (ما) موصولة وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير مجرور بمثل ما جر به الموصول، والحذف في مثله كثير. والتقدير: بالذي أنعمت به علي. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية وما صدق الإنعام عليه، هو ما أوتيه من الحكمة والعلم فتميزت عنده الحقائق ولم يبق للعوائد والتقاليد تأثير على شعوره. فأصبح لا ينظر الأشياء إلا بعين الحقيقة، ومن ذلك أن لا يكون ظهيرا وعونا للمجرمين. وأراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم لأن القبطي أذل الإسرائيلي بغصبه على تحميله الحطب دون رضاه. ولعل هذا الكلام ساقه مساق الاعتبار عن قتله القبطي وثوقا بأنه قتله خطأ. واقتران جملة فلن أكون ظهيرا للمجرمين بالفاء لأن الموصول كثيرا ما

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٩٢) ↗