سورة النمل · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون } إلى آخر القصة. يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود القبيلة المعروفة، أخاهم في النسب صالحا، وأنه أمرهم أن يعبدوا الله وحده، ويتركوا الأنداد والأوثان، { فإذا هم فريقان يختصمون } منهم المؤمن، ومنهم الكافر، وهم معظمهم. { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } أي: لم تبادرون فعل السيئات وتحرصون عليها، قبل فعل الحسنات، التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية؟ والحال أنه لا موجب لكم إلى الذهاب لفعل السيئات؟. { لولا تستغفرون الله } بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم، وتدعوه أن يغفر لكم، { لعلكم ترحمون } فإن رحمة الله تعالى قريب من المحسنين، والتائب من الذنوب، هو من المحسنين. { قالوا } لنبيهم صالح، مكذبين ومعارضين: { اطيرنا بك وبمن معك } زعموا - قبحهم الله - أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا، وأنه هو ومن معه من المؤمنين، صاروا سببا لمنع بعض مطالبهم الدنيوية، فقال لهم صالح: { طائركم عند الله } أي: ما أصابكم إلا بذنوبكم، { بل أنتم قوم تفتنون } بالسراء والضراء، والخير والشر، لينظر هل تقلعون وتتوبون، أم لا؟ فهذا دأبهم في تكذيب نبيهم وما قابلوه به. { وكان في المدينة } التي فيها صالح، الجامعة لمعظم قومه { تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي: وصفهم الإفساد في الأرض، ولا لهم قصد ولا فعل بالإصلاح، قد استعدوا لمعاداة صالح والطعن في دينه، ودعوة قومهم إلى ذلك، كما قال تعالى: فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون [الشعراء: 150-152]. فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة، حتى إنهم من عداوتهم { تقاسموا } فيما بينهم، كل واحد أقسم للآخر: { لنبيتنه وأهله } أي نأتيه ليلا، هو وأهله، فلنقتلنهم، { ثم لنقولن لوليه } إذا قام علينا، وادعى علينا أنا قتلناه، ننكر ذلك، وننفيه ونحلف { وإنا لصادقون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهرما، وهريم، وداب، وصواب، ورياب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة، أي: الذي باشر ذلك بيده. قال الله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] ، وقال تعالى {إذ انبعث أشقاها} [الشمس: 12] . وقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء -هو ابن أبي رباح -يقول: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} قال: كانوا يقرضون الدراهم (1) ، يعني: أنهم كانوا يأخذون منها، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددا، كما كان العرب يتعاملون. وقال الإمام مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض (2) . وفي الحديث -الذي رواه أبو داود وغيره -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (3) . والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة، كان من صفاتهم الإفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك. وقوله: {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح، عليه السلام، من لقيه ليلا غيلة. فكادهم الله، وجعل الدائرة عليهم. قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا (4) على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين. وقال قتادة: توافقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم. وقال العوفي، عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها: نبيت صالحا [وأهله] (5) وقومه فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به من علم. فدمرهم الله أجمعين. وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته! فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح، فوجدوهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٩٢) ↗التحرير والتنوير
ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقت تآمر فيه المشركون على الإيقاع بالنبيء صلى الله عليه وسلم، وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [الأنفال: 30] فضرب الله لهم مثلا بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابها وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون. [50- 53] 53] ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) سمى الله تآمرهم مكرا لأنه كان تدبير ضر في خفاء. وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر، وتنوينه للتعظيم. والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي. استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله، وتأخيره استئصالهم إلى الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشبه فعل الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة، مع عدم إشعار من يفعل به. وأكد مكر الله وعظم كما أكد مكرهم وعظم، وذلك بما يناسب جنسه، فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس. والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة: أنا دمرناهم وقومهم أجمعين الآية. وفي قوله: وهم لا يشعرون تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيح للاستعارة ولا تجريد. والخطاب في قوله: فانظر للنبيء صلى الله عليه وسلم. واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٨٤) ↗