سورة النمل · الآية ٣٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين * وورث سليمان داوود } إلى آخر القصة. يذكر في هذا القرآن، وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه، بالعلم الواسع الكثير، بدليل التنكير، كما قال تعالى: وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما الآية [الأنبياء: 78-79]. { وقالا } شاكرين لربهما منته الكبرى بتعليمهما: { الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } فحمدا الله على جعلهما من المؤمنين، أهل السعادة، وأنهما كانا من خواصهم. ولا شك أن المؤمنين أربع درجات: الصالحون، ثم فوقهم الشهداء، ثم فوقهم الصديقون، ثم فوقهم الأنبياء، وداود وسليمان، من خواص الرسل، وإن كانوا دون درجة أولي العزم [الخمسة]، لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام، الذين نوه الله بذكرهم، ومدحهم في كتابه مدحا عظيما، فحمدوا الله على بلوغ هذه المنزلة، وهذا عنوان سعادة العبد، أن يكون شاكرا لله على نعمه الدينية والدنيوية، وأن يرى جميع النعم من ربه، فلا يفخر بها ولا يعجب بها، بل يرى أنها تستحق عليه شكرا كثيرا، فلما مدحهما مشتركين، خص سليمان بما خصه به، لكون الله أعطاه ملكا عظيما، وصار له من الماجريات ما لم يكن لأبيه، صلى الله عليهما وسلم، فقال: { وورث سليمان داوود } أي: ورث علمه ونبوته، فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم، مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه، كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان، وقال شكرا لله، وتبجحا بإحسانه، وتحدثا بنعمته: { يأيها الناس علمنا منطق الطير } فكان عليه الصلاة [والسلام] يفقه ما تقول وتتكلم به، كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي، وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام. { وأوتينا من كل شيء } أي: أعطانا الله من النعم، ومن أسباب الملك، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدا (1) عنوة أفسدوه، أي: خربوه، {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} (2) ، قال الرب، عز وجل {وكذلك يفعلون} . ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} أي: سأبعث إليه بهدية تليق به (3) وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت [إليه] (1) بآنية من ذهب. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي. قالوا: فأمرهم [سليمان] (2) عليه السلام، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك. وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن (3) يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس. وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن (4) من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم: أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[النمل: 34] يقول: خربوها {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34] وذلك باستعبادهم الأحرار، واسترقاقهم إياهم؛ وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع، فقال الله: {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] يقول تعالى ذكره: وكما قالت صاحبة سبأ تفعل الملوك، إذا دخلوا قرية عنوة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥١) ↗التحرير والتنوير
قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث، إذ التقدير: فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته، قالت: يا أيها الملأ إلخ. وجملة: قالت مستأنفة استئنافا بيانيا لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالا عن شأنها حين بلغها الكتاب. والملأ: الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها. وظاهر قولها: ألقي إلي أن الكتاب سلم إليها دون حضور أهل مجلسها. وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأسا. والإلقاء تقدم آنفا. ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى: لهم مغفرة ورزق كريم في سورة الأنفال [74] بأن كان نفيس الصحيفة نفيس التخطيط بهيج الشكل مستوفيا كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه. ومن ذلك أن يكون مختوما، وقد قيل: كرم الكتاب ختمه، ليكون ما في ضمنه خاصا باطلاع من أرسل إليه وهو يطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء. قال ابن العربي: «الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف ألا ترى إلى قوله تعالى: إنه لقرآن كريم [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير، والأثير، والمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز، وأسقطوا الكريم غفلة وهو أفضلها خصلة» . وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محمودا عندها لأنها قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة [النمل: 34] . ثم قصت عليهم الكتاب حين قالت: إنه من سليمان وإنه إلى آخره. فيحتمل أن يكون قد ترجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشورتها، ويحتمل أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٥٨) ↗