البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النمل · الآية ٢٠

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين * وورث سليمان داوود } إلى آخر القصة. يذكر في هذا القرآن، وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه، بالعلم الواسع الكثير، بدليل التنكير، كما قال تعالى: وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما الآية [الأنبياء: 78-79]. { وقالا } شاكرين لربهما منته الكبرى بتعليمهما: { الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } فحمدا الله على جعلهما من المؤمنين، أهل السعادة، وأنهما كانا من خواصهم. ولا شك أن المؤمنين أربع درجات: الصالحون، ثم فوقهم الشهداء، ثم فوقهم الصديقون، ثم فوقهم الأنبياء، وداود وسليمان، من خواص الرسل، وإن كانوا دون درجة أولي العزم [الخمسة]، لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام، الذين نوه الله بذكرهم، ومدحهم في كتابه مدحا عظيما، فحمدوا الله على بلوغ هذه المنزلة، وهذا عنوان سعادة العبد، أن يكون شاكرا لله على نعمه الدينية والدنيوية، وأن يرى جميع النعم من ربه، فلا يفخر بها ولا يعجب بها، بل يرى أنها تستحق عليه شكرا كثيرا، فلما مدحهما مشتركين، خص سليمان بما خصه به، لكون الله أعطاه ملكا عظيما، وصار له من الماجريات ما لم يكن لأبيه، صلى الله عليهما وسلم، فقال: { وورث سليمان داوود } أي: ورث علمه ونبوته، فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم، مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه، كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان، وقال شكرا لله، وتبجحا بإحسانه، وتحدثا بنعمته: { يأيها الناس علمنا منطق الطير } فكان عليه الصلاة [والسلام] يفقه ما تقول وتتكلم به، كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي، وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام. { وأوتينا من كل شيء } أي: أعطانا الله من النعم، ومن أسباب الملك، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أبدا (1) . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي -من أهل "برزة" من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم [يوم] (2) الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد: أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن واد بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورا كثيرا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار. فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تري المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا. فلم أزل كذلك ملقى مكتوفا، حتى مر بي نفر ففك وثاقي. فهذا ما كان من خبر عيني (3) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عليه السلام: عنبر. وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان، عليه السلام، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه: تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره إلا الهدهد، {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟. وقوله: {لأعذبنه عذابا شديدا} : قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

21] وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) صيغة التفعل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب. واشتقاق تفقد من الفقد يقتضي أن تفقد بمعنى طلب الفقد. ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيرا من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهدهد أيضا لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد. وللطير جنود يقومون بشؤونها. وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها. والمعنى: تفقد الطير في جملة ما تفقده، فقال لمن يلون أمر الطير: ما لي لا أرى الهدهد. ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال. والهدهد: نوع من الطير وهو ما يقرقر، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قزعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض، فإذا رفرف على موضع علم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان. قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها. وقوله: ما لي لا أرى الهدهد استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، ف ما استفهام. واللام من قوله: لي للاختصاص. والمجرور

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٤٥) ↗