سورة الشعراء · الآية ٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } إلى آخر هذه القصة { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: واتل يا محمد على الناس، نبأ إبراهيم الخليل، وخبره الجليل، في هذه الحالة بخصوصها، وإلا فله أنباء كثيرة، ولكن من أعجب أنبائه وأفضلها، هذا النبأ المتضمن لرسالته، ودعوته قومه، ومحاجته إياهم، وإبطاله ما هم عليه، ولذلك قيده بالظرف، فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا } متبجحين بعبادتهم: { نعبد أصناما } ننحتها ونعملها بأيدينا. { فنظل لها عاكفين } أي: مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، فقال لهم إبراهيم، مبينا لعدم استحقاقها للعبادة: { هل يسمعونكم إذ تدعون } فيستجيبون دعاءكم، ويفرجون كربكم، ويزيلون عنكم كل مكروه؟. { أو ينفعونكم أو يضرون } فأقروا أن ذلك كله، غير موجود فيها، فلا تسمع دعاء، ولا تنفع، ولا تضر، ولهذا لما كسرها وقال: قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون [الأنبياء: 63] قالوا له: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [الأنبياء: 65] أي: هذا أمر متقرر من حالها، لا يقبل الإشكال والشك،فلجؤوا إلى تقليد آبائهم الضالين، فقالوا: { بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } فتبعناهم على ذلك، وسلكنا سبيلهم، وحافظنا على عاداتهم، فقال لهم إبراهيم: أنتم وآباؤكم، كلكم خصوم في الأمر، والكلام مع الجميع واحد. { قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي } فليضروني بأدنى شيء من الضرر، وليكيدوني، فلا يقدرون. { إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين } هو المنفرد بنعمة الخلق ونعمة الهداية، للمصالح الدينية والدنيوية، ثم خصص منها بعض الضروريات فقال: { والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } فهذا هو وحده المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إبراهيم: {وإذا مرضت فهو يشفين} أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. {والذي يميتني ثم يحيين} أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء. وهذا سؤال من إبراهيم، عليه السلام، أن يؤتيه ربه حكما. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: {وألحقني بالصالحين} أي: اجعلني مع (1) الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: " [اللهم الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا (2) . وفي الحديث في الدعاء] (3) : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" (4) . وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين} [الصافات:108-110] . قال مجاهد، وقتادة: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت:27] ، وكقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل:122] . قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة. وقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} كقوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي} [إبراهيم:41] ، وهذا مما رجع عنه إبراهيم، عليه السلام، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والآخرة، لا الذي لا يسمع إذا دعي، ولا ينفع ولا يضر. وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه، في أنه لا تصلح الألوهة، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال، لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرا. وقيل: إن إبراهيم صلوات الله عليه، عني بقوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] والذي أرجو أن يغفر لي قولي: {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقولي لسارة إنها أختي.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٩٢) ↗التحرير والتنوير
عسر. ويطلق ويراد به الظن كما في قول إبراهيم والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 82] ، فهذا الإطلاق تأدب مع الله لأنه يفعل ما يريد. وعللوا ذلك الطمع بأنهم كانوا أول المؤمنين بالله بتصديق موسى عليه السلام، وفي هذا دلالة على رسوخ إيمانهم بالله ووعده. [52] وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) هذه قصة أخرى من أحوال موسى في دعوة فرعون، فالواو لعطف القصة ولا تفيد قرب القصة من القصة، فقد لبث موسى زمنا يطالب فرعون بإطلاق بني إسرائيل ليخرجوا من مصر، وفرعون يماطل في ذلك حتى رأى الآيات التسع كما تقدم في سورة الأعراف. ونظير بعض هذه الآية تقدم في سورة طه. وزادت هذه بقوله: إنكم متبعون، أي أعلم الله موسى أن فرعون سيتبعهم بجنده كما في آية سورة طه. والقصد من إعلامه بذلك تشجيعه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر أسر بهمزة وصل فعل أمر من (سرى) وبكسر نون أن. لأجل التقاء الساكنين. وقرأ الباقون بهمزة قطع وسكون نون (أن) وفعلا سرى وأسرى متحدان كما تقدم في قوله تعالى: سبحان الذي أسرى [الإسراء: 1] . [53- 56] 56] فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) ظاهر ترتيب الجمل يقتضي أن الفاء للتعقيب على جملة: وأوحينا إلى موسى [الشعراء: 52] وأن بين الجملتين محذوفا تقديره: فأسرى موسى وخرج بهم فأرسل فرعون حاشرين، أي لما خرج بنو إسرائيل خشي فرعون أن ينتشروا في مدائن مصر فأرسل فرعون في المدائن شرطا يحشرون الناس ليلحقوا بني إسرائيل فيردوهم إلى المدينة قاعدة الملك. والمدائن: جمع مدينة، أي البلد العظيم. ومدائن القطر المصري يومئذ كثيرة. منها (مانوفرى أو منفيس) هي اليوم ميت رهينة بالجيزة و (تيبة أو طيبة) هي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٢٩) ↗