سورة الشعراء · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } إلى آخر القصة قوله: { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أعاد الباري تعالى قصة موسى وثناها في القرآن ما لم يثن غيرها، لكونها مشتملة على حكم عظيمة وعبر، وفيها نبأه مع الظالمين والمؤمنين، وهو صاحب الشريعة الكبرى، وصاحب التوراة أفضل الكتب بعد القرآن، فقال: واذكر حالة موسى الفاضلة، وقت نداء الله إياه، حين كلمه ونبأه وأرسله، فقال: { أن ائت القوم الظالمين } الذين تكبروا في الأرض، وعلوا على أهلها وادعى كبيرهم الربوبية، { قوم فرعون ألا يتقون } أي: قل لهم، بلين قول، ولطف عبارة { ألا يتقون } الله الذي خلقكم ورزقكم، فتتركون ما أنتم عليه من الكفر. فقال موسى عليه السلام، معتذرا من ربه، ومبينا لعذره، وسائلا له المعونة على هذا الحمل الثقيل: { قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني }. فقال: قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي [طه: 25-30] { فأرسل إلى هارون } فأجاب الله طلبه، ونبأ أخاه هارون كما نبأه فأرسله معي ردءا [القصص: 34] أي معاونا لي على أمري أن يصدقوني. { ولهم علي ذنب } أي: في قتل القبطي { فأخاف أن يقتلون }. { قال كلا } أي: لا يتمكنون من قتلك، فإنا سنجعل لكما سلطانا، فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون. ولهذا لم يتمكن فرعون من قتل موسى، مع منابذته له غاية المنابذة، وتسفيه رأيه، وتضليله وقومه، { فاذهبا بآياتنآ } الدالة على صدقكما، وصحة ما جئتما به، { إنا معكم مستمعون } أحفظكما وأكلؤكما، { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } أي أرسلنا إليك، لتؤمن به وبنا، وتنقاد لعبادته، وتذعن لتوحيده، { أن أرسل معنا بني إسرائيل } فكف عنهم عذابك، وارفع عنهم يدك ليعبدوا ربهم ويقيموا أمر دينهم. فلما جاءا فرعون وقالا له ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نوره وإخماد كلمته، وظهور كذبه وافترائهم، وتخوفوا من [معرفته] (1) أن يستميل (2) الناس بسحره فيما يعتقدون (3) فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:6] فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى: قال ابن عباس: {أرجه} أخره. وقال قتادة: احبسه. {وأرسل} أي: ابعث {في المدائن} أي: في الأقاليم ومعاملة ملكك، {حاشرين} أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم. وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا. واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم، أن ما جاء موسى، عليه السلام، من قبيل ما تشعبذه (4) سحرتهم؛ فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى. قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى} [طه:57-60] وقال تعالى هاهنا: يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين (5) استدعاهم لمعارضة موسى، عليه السلام: إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا. فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا، ويجعلنهم (6) من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه الله: هذه مبارزة من السحرة لموسى، عليه السلام، في قولهم: {إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} أي: قبلك. كما قال (7) في الآية الأخرى: {وإما أن نكون أول من ألقى} [طه:65] فقال لهم موسى، عليه السلام: {ألقوا} أي: أنتم أولا قبلي. والحكمة في هذا -والله أعلم -ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغ من بهرجهم (8) ومحالهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تطلب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس. وكذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إياهم حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض، والشيء بخلاف ما هو به. ومنه قيل: سحر المطر الأرض: إذا جادها فقطع نباتها من أصوله، وقلب الأرض ظهرا لبطن، فهو يسحرها سحرا، والأرض مسحورة إذا أصابها ذلك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٤٧) ↗التحرير والتنوير
ودلت (إذا) المفاجئة على سرعة انقلاب لون يده بياضا. واللام في قوله: للناظرين. يجوز أن تكون اللام التي يسميها ابن مالك وابن هشام لام التعدية، أي اتصال متعلقها بمجرورها. والأظهر أن تكون اللام بمعنى (عند) ويكون الجار والمجرور حالا. وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى في سورة الأعراف [108] ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. ومعنى: للناظرين أن بياضها مما يقصده الناظرون لأعجوبته، وكان لون جلد موسى السمرة. والتعريف في للناظرين للاستغراق العرفي، أي لجميع الناظرين في ذلك المجلس. وهذا يفيد أن بياضها كان واضحا بينا مخالفا لون جلده بصورة بعيدة عن لون البرص. [34، 35] 35] قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) تقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأعراف، سوى أن في هذه الآية زيادة بسحره وهو واضح، وفي هذه الآية أن هذا قول فرعون للملأ، وفي آية الأعراف [109] قال الملأ من قوم فرعون والجمع بينهما أن فرعون قاله لمن حوله فأعادوه بلفظه للموافقة التامة بحيث لم يكتفوا بقول: نعم، بل أعادوا كلام فرعون ليكون قولهم على تمام قوله. وانتصب حوله على الظرفية. والظرف هنا مستقر لأنه متعلق بكون محذوف هو حال من الملأ. وتقدم وجه التعبير عن إشارتهم عليه بقوله: تأمرون في سورة الأعراف [110] . [36، 37] قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف سوى أن في هذه الآية وابعث بدل وأرسل [الأعراف: 111] وهما مترادفان، وفي هذه الآية سحار وهنالك ساحر [الأعراف: 112]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٢٤) ↗