سورة الشعراء · الآية ٢١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به، الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه، فقال: { وتوكل على العزيز الرحيم } والتوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع ثقته به، وحسن ظنه بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به يفعل ذلك. ثم نبهه على الاستعانة باستحضار قرب الله، والنزول في منزل الإحسان فقال: { الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين } أي: يراك في هذه العبادة العظيمة، التي هي الصلاة، وقت قيامك، وتقلبك راكعا وساجدا خصها بالذكر، لفضلها وشرفها، ولأن من استحضر فيها قرب ربه، خشع وذل، وأكملها، وبتكميلها يكمل سائر عمله، ويستعين بها على جميع أموره. { إنه هو السميع } لسائر الأصوات، على اختلافها وتشتتها وتنوعها، { العليم } الذي أحاط بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة. فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه، من الهم والعزم والنيات، مما يعينه على منزلة الإحسان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشعراء ٢١٧–٢٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه (1) أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحدا منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه؛ ولهذا قال: {. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} . وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} [يس:6] ، وقال: {لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى:7] ، وقال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} [الأنعام:51] ، وقال: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97] ، وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام:19] ، كما قال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وفي صحيح مسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار". وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها: الحديث الأول: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله، عز وجل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] . ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به (2) . الحديث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأوثان، والإشراك بالرحمن، فقل لهم: {إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216] من عبادة الأصنام ومعصية بارئ الأنام. {وتوكل على العزيز} [الشعراء: 217] في نقمته من أعدائه {الرحيم} [الفاتحة: 1] بمن أناب إليه وتاب من معاصيه. {الذي يراك حين تقوم} [الشعراء: 218] يقول: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٦٥) ↗التحرير والتنوير
في سورة الإسراء [24] . والجناح للطائر بمنزلة اليدين للدواب، وبالجناحين يكون الطيران. ومن المؤمنين بيان لمن اتبعك فإن المراد المتابعة في الدين وهي الإيمان. والغرض من هذا البيان التنويه بشأن الإيمان كأنه قيل: واخفض جناحك لهم لأجل إيمانهم كقوله تعالى: ولا طائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] وجبر لخاطر المؤمنين من قرابته. ولذلك لما نادى في دعائه صفية قال: «عمة رسول الله» ولما نادى فاطمة قال: «بنت رسول الله» تأنيسا لهما، فهذا من خفض الجناح، ولم يقل مثل ذلك للعباس لأنه كان يومئذ مشركا. [216] فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) تفريع على جملة: وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] أي فإن عصوا أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار، أي فإن عصاك عشيرتك فما عليك إلا أن تتبرأ من عملهم، وهذا هو مثار قول النبيء صلى الله عليه وسلم لهم في دعوته: «غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» فالتبرؤ إنما هو من كفرهم وذلك لا يمنع من صلتهم لأجل الرحم وإعادة النصح لهم كما قال: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [الشورى: 23] . وإنما أمر بأن يقول لهم ذلك لإظهار أنهم أهل للتبرؤ من أعمالهم فلا يقتصر على إضمار ذلك في نفسه. [217- 220] 220] وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر فيكون تفريعا على: فقل إني بريء مما تعملون [الشعراء: 216] تنبيها على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء وتنصيصا على اتصال التوكل بقوله: إني بريء. وقرأ الجمهور: وتوكل بالواو وهو عطف على جواب الشرط، أي قل: إني بريء وتوكل، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو يستلزم البدار به، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٠٣) ↗