سورة الشعراء · الآية ٢١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينهى تعالى رسوله أصلا، وأمته أسوة له في ذلك، عن دعاء غير الله، من جميع المخلوقين، وأن ذلك موجب للعذاب الدائم، والعقاب السرمدي، لكونه شركا، من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار [المائدة: 72] والنهي عن الشيء أمر بضده، فالنهي عن الشرك، أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، محبة، وخوفا، ورجاء، وذلا، وإنابة إليه في جميع الأوقات. ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال: { وأنذر عشيرتك الأقربين } الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " ، فيكون هذا خصوصا دالا على التأكيد وزيادة الحق، فامتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يبق صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئا، من نصحهم وهدايتهم إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض، { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، كما قال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159] فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة ودفع المضار ما هو مشاهد فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم ، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية، أو سوء أدب، هجرهم ومقتهم وأبغضهم، لا لين عنده، ولا أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة من المفاسد، وتعطيل المصالح ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه بالنفاق والمداهنة، وقد كمل نفسه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرا أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمرا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه (1) أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحدا منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه؛ ولهذا قال: {. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} . وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} [يس:6] ، وقال: {لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى:7] ، وقال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} [الأنعام:51] ، وقال: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97] ، وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام:19] ، كما قال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وفي صحيح مسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار". وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها: الحديث الأول: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله، عز وجل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] . ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به (2) . الحديث …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٥٣) ↗التحرير والتنوير
ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل. والمعزول: المبعد عن أمر فهو في عزلة عنه. وفي هذا إبطال للكهانة من أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد زال ذلك منذ ظهور الإسلام. [213] 213] فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) لما وجه الخطاب إلى النبيء صلى الله عليه وسلم من قوله: نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء: 193، 194] إلى هنا، في آيات أشادت بنزول القرآن من عند الله تعالى وحققت صدقه بأنه مذكور في كتب الأنبياء السالفين وشهد به علماء بني إسرائيل، وأنحى على المشركين بإبطال ما ألصقوه بالقرآن من بهتانهم، لا جرم اقتضى ذلك ثبوت ما جاء به القرآن. وأصل ذلك هو إبطال دين الشرك الذي تقلدته قريش وغيرها وناضلت عليه بالأكاذيب فناسب أن يتفرع عليه النهي عن الإشراك بالله والتحذير منه. فقوله: فلا تدع مع الله إلها آخر خطاب لغير معين فيعم كل من يسمع هذا الكلام، ويجوز أن يكون الخطاب موجها إلى النبيء صلى الله عليه وسلم لأنه المبلغ عن الله تعالى فللاهتمام بهذا النهي وقع توجيهه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مع تحقق أنه منته عن ذلك، فتعين أن يكون النهي للذين هم متلبسون بالإشراك، ونظير هذا قوله تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [الزمر: 65] . والمقصود من مثل ذلك الخطاب غيره ممن يبلغه الخطاب. فالمعنى: فلا تدعوا مع الله إلها آخر فتكونوا من المعذبين. وفي هذا تعريض بالمشركين أنهم سيعذبون للعلم بأن النبيء صلى الله عليه وسلم وأصحابه غير مشركين. [214] وأنذر عشيرتك الأقربين (214) عطف على قوله: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين [الشعراء: 193، 194] ، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهذا الخاص. ووجه الاهتمام أنهم أولى الناس بقبول
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٠٠) ↗