البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشعراء · الآية ١٨١

﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ كذب أصحاب لئيكة المرسلين } أصحاب الأيكة: أي: البساتين الملتفة أشجارها وهم أصحاب مدين، فكذبوا نبيهم شعيبا، الذي جاء بما جاء به المرسلون. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله تعالى، فتتركون ما يسخطه ويغضبه، من الكفر والمعاصي، { إني لكم رسول أمين } يترتب على ذلك، أن تتقوا الله وتطيعون، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكاييل والموازين، فلذلك قال لهم: { أوفوا الكيل } أي: أتموه وأكملوه { ولا تكونوا من المخسرين } الذين ينقصون الناس أموالهم ويسلبونها ببخس المكيال والميزان، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } أي: بالميزان العادل، الذي لا يميل، { واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } أي: الخليقة الأولين، فكما انفرد بخلقكم، وخلق من قبلكم من غير مشارك له في ذلك، فأفردوه بالعبادة والتوحيد، وكما أنعم عليكم بالإيجاد والإمداد بالنعم، فقابلوه بشكره. قالوا له، مكذبين له، رادين لقوله: { ا إنمآ أنت من المسحرين } فأنت تهذي وتتكلم كلام المسحور، الذي غايته أن لا يؤاخذ به. { ومآ أنت إلا بشر مثلنا } فليس فيك فضيلة اختصصت بها علينا، حتى تدعونا إلى اتباعك، وهذا مثل قول من قبلهم ومن بعدهم، ممن عارضوا الرسل بهذه الشبهة، التي لم يزالوا يدلون بها ويصولون، ويتفقون عليها، لاتفاقهم على الكفر، وتشابه قلوبهم. وقد أجابت عنها الرسل بقولهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11]. { وإن نظنك لمن الكاذبين } وهذا جراءة منهم وظلم وقول زور، قد انطووا على خلافه، فإنه ما من رسول من الرسل، واجه قومه ودعاهم، وجادلهم وجادلوه، إلا وقد أظهر الله على يديه من الآيات، ما به يتيقنون صدقه وأمانته، خصوصا شعيبا عليه السلام، الذي يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، فإن قومه قد تيقنوا صدقه، وأن ما جاء به حق، ولكن إخبارهم عن ظن كذبه كذب منهم. { فأسقط علينا كسفا من السمآء } أي: قطع عذاب …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

: يعني: قطع الطريق، كما في الآية الأخرى: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون [وتصدون عن سبيل الله من آمن به] } (1) [الأعراف:86] . وقوله: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} : يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى، عليه السلام: {ربكم ورب آبائكم الأولين} [الصافات:126] . قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {والجبلة الأولين} يقول: خلق الأولين. وقرأ ابن زيد: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} [يس:62] . يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها (2) -تشابهت قلوبهم -حيث قالوا: {إنما أنت من المسحرين} يعنون: من المسحورين، كما تقدم. {وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين} أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا. {فأسقط علينا كسفا من السماء} : قال الضحاك: جانبا من السماء. وقال قتادة: قطعا من السماء. وقال السدي: عذابا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} ، إلى أن قالوا: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء:90-92] . وقوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال:32] ، وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} . {قال ربي أعلم بما تعملون} يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم، وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاء وفاقا؛ ولهذا قال تعالى: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} وهذا من جنس ما سألوا، من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله، سبحانه وتعالى، جعل عقوبتهم (3) أن أصابهم حر شديد جدا مدة سبعة أيام لا يكنهم منه شيء، ثم

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٦٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الكيل. {ولا تكونوا من المخسرين} [الشعراء: 181] يقول: ولا تكونوا ممن نقصهم حقوقهم.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٣٤) ↗

التحرير والتنوير

والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لما ذكر هذه القصة لأهل مدين وصف شعيبا بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيبا بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيبا ولا صهرا لأصحاب ليكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة. ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر [78، 79] وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة. وقد بينا ذلك في سورة الحجر. وإنما ترسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى [يوسف: 109] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية. وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه. وشمل قوله: ألا تتقون النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة هود. [181- 183] أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله: ألا تتقون [الشعراء: 177] إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم، فقد كانوا مع شركهم بالله يطففون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم، ويفسدون في الأرض. فأما تطفيف الكيل والميزان فظلم وأكل مال بالباطل، ولما كان تجارهم قد تمالؤوا عليه اضطر الناس إلى التبايع بالتطفيف. وأوفوا أمر بالإيفاء، أي جعل الشيء وافيا، أي تاما، أي اجعلوا الكيل غير ناقص. والمخسر: فاعل الخسارة لغيره، أي المنقص، فمعنى ولا تكونوا من المخسرين لا تكونوا من المطففين. وصوغ من المخسرين أبلغ من: لا تكونوا مخسرين. لأنه يدل على الأمر بالتبرؤ من أهل هذا الصنيع، كما تقدم آنفا في عدة آيات منها قوله: لتكونن من المرجومين [الشعراء: 116] في قصة نوح.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٨٤) ↗