سورة الشعراء · الآية ١٥٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كذبت ثمود المرسلين } إلى آخر القصة { كذبت ثمود } القبيلة المعروفة في مدائن الحجر { المرسلين } كذبوا صالحا عليه السلام، الذي جاء بالتوحيد، الذي دعت إليه المرسلون، فكان تكذيبهم له تكذيبا للجميع. { إذ قال لهم أخوهم صالح } في النسب، برفق ولين: { ألا تتقون } الله تعالى، وتدعون الشرك والمعاصي { إني لكم رسول } من الله ربكم، أرسلني إليكم، لطفا بكم ورحمة، فتلقوا رحمته بالقبول، وقابلوها بالإذعان، { أمين } تعرفون ذلك مني، وذلك يوجب عليكم أن تؤمنوا بي وبما جئت به. { ومآ أسألكم عليه من أجر } فتقولون: يمنعنا من اتباعك، أنك تريد أخذ أموالنا، { إن أجري إلا على رب العالمين } أي: لا أطلب الثواب إلا منه. { أتتركون في ما هاهنآ آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم } أي نضيد كثير. أي: أتحسبون أنكم تتركون في هذه الخيرات والنعم سدى، تتنعمون وتتمتعون كما تتمتع الأنعام وتتركون سدى، لا تؤمرون، ولا تنهون، وتستعينون بهذه النعم على معاصي الله، { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } أي بلغت بكم الفراهة والحذق إلى أن اتخذتم بيوتا من الجبال الصم الصلاب. { فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين } الذين تجاوزوا الحد، { الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض، بعمل المعاصي والدعوة إليها، إفسادا لا إصلاح فيه، وهذا أضر ما يكون، لأنه شر محض، وكأن أناسا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم، موضعون في الدعوة لسبيل الغي، فنهاهم صالح عن الاغترار بهم، ولعلهم الذين قال الله فيهم: وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون [النمل: 48] فلم يفد فيهم هذا النهي والوعظ شيئا، فقالوا لصالح { إنمآ أنت من المسحرين } أي قد سحرت فأنت تهذي بما لا معنى له. { مآ أنت إلا بشر مثلنا } فأي: فضيلة فقتنا بها، حتى تدعونا إلى اتباعك؟ { فأت بآية إن كنت من الصادقين } هذا، مع أن مجرد اعتبار حالته …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{فإن تسألينا: فيم نحن ? فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر } يعني الذين لهم سحور، والسحر: هو الرئة. والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة: أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك. ثم قالوا: {ما أنت إلا بشر مثلنا} يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى: {أؤلقي (1) الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر * سيعلمون غدا من الكذاب الأشر} [القمر: 25، 26] . ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما (2) جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم -أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم -ناقة عشراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به، [وليصدقنه] (3) ، وليتبعنه، فأنعموا بذلك. فقام نبي الله صالح، عليه السلام، فصلى، ثم دعا الله، عز وجل، أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} يعني: ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم، {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى. وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها. {فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب} وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله لوط، عليه السلام، وهو: لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تأكل ما نأكل، وتشرب ما نشرب، ولست برب ولا ملك، فعلام نتبعك؟ فإن كنت صادقا في قيلك وأن الله أرسلك إلينا {فأت بآية} [الشعراء: 154] يعني: بدلالة وحجة على أنك محق فيما تقول، إن كنت ممن صدقنا في دعواه أن الله أرسله إلينا.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٢٧) ↗التحرير والتنوير
154] قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) أجابوا موعظته بالبهتان فزعموه فقد رشده وتغير حاله واختلقوا أن ذلك من أثر سحر شديد. فالمسحر: اسم مفعول سحره إذا سحره سحرا متمكنا منه، ومن المسحرين أبلغ في الاتصاف بالتسحير من أن يقال: إنما أنت مسحر كما تقدم في قوله: لتكونن من المرجومين [الشعراء: 116] . ولما تضمن قولهم: إنما أنت من المسحرين تكذيبهم إياه أيدوا تكذيبه بأنه بشر مثلهم. وذلك في زعمهم ينافي أن يكون رسولا من الله لأن الرسول في زعمهم لا يكون إلا مخلوقا خارقا للعادة كأن يكون ملكا أو جنيا. فجملة: إن ما أنت إلا بشر مثلنا في حكم التأكيد بجملة: إنما أنت من المسحرين باعتبار مضمون الجملتين. وفرعوا على تكذيبه المطالبة بأن يأتي بآية على صدقه، أي أن يأتي بخارق عادة يدل على أن الله صدقه في دعوى الرسالة عنه. وفرضوا صدقه بحرف إن الشرطية الغالب استعمالها في الشك. ومعنى من الصادقين من الفئة المعروفين بالصدق يعنون بذلك الرسل الصادقين لدلالته على تمكن الصدق منه، كما تقدم في قوله: من المرجومين [الشعراء: 116] . [155- 159] قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) اسم الإشارة إلى ناقة جعلها لهم آية. وتقدم خبر هذه الناقة في سورة هود، وذكر أن صالحا جعل لها شربا، وهو بكسر الشين وسكون الراء: النوبة في الماء، للناقة يوما تشرب فيه لا يزاحمونها فيه بأنعامهم. والكلام على عذاب يوم عظيم نظير الكلام على نظيره في قصة عاد ورسولهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٧٧) ↗