البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الشعراء · الآية ١١٨

﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ كذبت قوم نوح المرسلين } إلى آخر القصة. يذكر تعالى، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح، وما رد عليهم وردوا عليه، وعاقبة الجميع، فقال: { كذبت قوم نوح المرسلين } جميعهم، وجعل تكذيب نوح كتكذيب جميع المرسلين، لأنهم كلهم اتفقوا على دعوة واحدة، وأخبار واحدة، فتكذيب أحدهم، تكذيب بجميع ما جاؤوا به من الحق، كذبوه { إذ قال لهم أخوهم } في النسب { نوح } وإنما ابتعث الله الرسل من نسب من أرسل إليهم، لئلا يشمئزوا من الانقياد له، ولأنهم يعرفون حقيقته، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم - { ألا تتقون } الله تعالى، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه من عبادة الأوثان، وتخلصون العبادة لله وحده، { إني لكم رسول أمين } فكونه رسولا إليهم بالخصوص، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم، والإيمان به، وأن يشكروا الله تعالى على أن خصهم بهذا الرسول الكريم، وكونه أمينا، يقتضي أنه لا يتقول على الله، ولا يزيد في وحيه ولا ينقص، وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فإن هذا هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم، أمينا، فلذلك رتبه بالفاء الدالة على السبب، فذكر السبب الموجب، ثم ذكر انتفاء المانع، فقال: { ومآ أسألكم عليه من أجر } فتتكلفون من المغرم الثقيل، { أجر إن أجري إلا على رب العالمين } أرجو بذلك القرب منه، والثواب الجزيل، وأما أنتم فمنيتي، ومنتهى إرادتي منكم، النصح لكم وسلوككم الصراط المستقيم. { فاتقوا الله وأطيعون } كرر ذلك عليه السلام لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك، كما قال تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت: 14] وقال: قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا الآيات [نوح: 5-6]. فقالوا ردا لدعوته، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } أي: كيف …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال {رب إن قومي كذبون. فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} ، كما قال في الآية الأخرى: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} [القمر:10-14] . وقال هاهنا {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين.} . والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيه من كل زوجين اثنين، أي: نجيناه (1) ومن معه (2) كلهم، وأغرقنا من كذبه وخالف أمره كلهم، {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . وهذا إخبار من [الله تعالى عن] (3) عبده ورسوله هود، عليه السلام، أنه دعا قومه عادا، وكانوا قوما يسكنون الأحقاف، وهي: جبال الرمل قريبا من بلاد حضرموت متاخمة (4) لبلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، [كما قال في "سورة الأعراف": {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح] (5) وزادكم في الخلق بصطة} [الأعراف:69] وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب، والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات (6) والعيون، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله إليهم رجلا منهم رسولا وبشيرا ونذيرا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} ، اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة. تبنون هناك بناء محكما باهرا هائلا؛ ولهذا قال: {أتبنون بكل ريع آية} أي: معلما بناء مشهورا، تعبثون، وإنما تفعلون ذلك عبثا لا للاحتياج إليه؛ بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ ولهذا أنكر عليهم نبيهم، عليه السلام، ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

نصيحتي لهم. {فافتح بيني وبينهم فتحا} [الشعراء: 118] يقول: فاحكم بيني وبينهم حكما من عندك تهلك به المبطل، وتنتقم به ممن كفر بك وجحد توحيدك، وكذب رسولك.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٠٣) ↗

التحرير والتنوير

والمبين: من أبان المتعدي بمعنى بين ووضح. والقصر إضافي وهو قصر موصوف على صفة. وقد تقدم في سورة هود حكاية موقف لنوح عليه السلام مع قومه شبيه بما حكي هنا وبين الحكايتين اختلاف ما، فلعلهما موقفان أو هما كلامان في موقف واحد حكي أحدهما هنالك والآخر هنا على عادة قصص القرآن، فما في إحدى الآيتين من زيادة يحمل على أنه مكمل لما في الأخرى. [116- 120] 120] قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) لما أعياهم الاستدلال صاروا إلى سلاح المبطلين وهو المناضلة بالأذى. والرجم: الرمي بالحجارة، وقد غلب استعماله في القتل به، ومن المرجومين يفيد من بين الذين يعاقبون بالرجم، أي من فئة الدعار الذين يستحقون الرجم، كما تقدم في قوله: وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام [56] . وقوله: إن قومي كذبون تمهيد للدعاء عليهم وهو خبر مستعمل في إنشاء التحسر واليأس من إقلاعهم عن التكذيب. والفتح: الحكم، وتأكيده ب فتحا لإرادة حكم شديد، وهو الاستئصال ولذلك أعقبه بالاحتراس بقوله: ونجني ومن معي من المؤمنين. والمشحون: المملوء. وثم للتراخي الرتبي في الإخبار لأن إغراق أمة كاملة أعظم دلالة على عظيم القدرة من إنجاء طائفة من الناس. وحذف الياء من قوله: كذبون للفاصلة كما تقدم في قوله: فأخاف أن يقتلون [الشعراء: 14] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٦٣) ↗