سورة الفرقان · الآية ٧٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة حاجتهم إليه، وأنهم ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… (5) ؛ ولهذا قال: {مروا كراما} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسين العجلي، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مر بلهو معرضا (6) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أصبح ابن مسعود، وأمسى كريما". وحدثنا الحسن بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أنا عبد الله، أنا محمد بن مسلم، أخبرني ابن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) : " لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما" (8) . ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (9) . وقوله: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} [و] (10) هذه من صفات المؤمنين {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال:2] ، بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يقصر عما كان عليه، بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124 -125] . فقوله: {لم يخروا عليها صما وعميانا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى. قال مجاهد: قوله: {لم يخروا عليها صما وعميانا} لم يسمعوا: ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا. وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٣١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٢٧) ↗التحرير والتنوير
ومنه قوله تعالى: ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا [القصص: 63] كما ذكره ابن جني في «شرح مشكل أبيات الحماسة» ، وقد تقدم عند قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] . [73] 73] والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) أريد تمييز المؤمنين بمخالفة حالة هي من حالات المشركين وتلك هي حالة سماعهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه من آيات القرآن وطلب النظر في دلائل الوحدانية، فلذلك جيء بالصلة منفية لتحصيل الثناء عليهم مع التعريض بتفظيع حال المشركين فإن المشركين إذا ذكروا بآيات الله خروا صما وعميانا كحال من لا يحب أن يرى شيئا فيجعل وجهه على الأرض، فاستعير الخرور لشدة الكراهية والتباعد بحيث إن حالهم عند سماع القرآن كحال الذي يخر إلى الأرض لئلا يرى ما يكره بحيث لم يبق له شيء من التقوم والنهوض، فتلك حالة هي غاية في نفي إمكان القبول. ومنه استعارة القعود للتخلف عن القتال، وفي عكس ذلك يستعار الإقبال والتلقي والقيام للاهتمام بالأمر والعناية به. ويجوز أن يكون الخرور واقعا منهم أو من بعضهم حقيقة لأنهم يكونون جلوسا في مجتمعاتهم ونواديهم فإذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام طأطأوا رؤوسهم وقربوها من الأرض لأن ذلك للقاعد يقوم مقام الفرار، أو ستر الوجه كقول أعرابي يهجو قوما من طيء، أنشده المبرد: إذا ما قيل أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس وقريب من هذا المعنى قوله تعالى حكاية في سورة نوح [7] واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. وتقدم الخرور الحقيقي في قوله تعالى: يخرون للأذقان سجدا في سورة الإسراء [107] ، وقوله: فخر عليهم السقف من فوقهم [النحل: 26] وقوله: وخر موسى صعقا في الأعراف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٨٠) ↗