سورة الفرقان · الآية ٦٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كرر تعالى في هذه السورة الكريمة قوله: { تبارك } ثلاث مرات، لأن معناها كما تقدم، أنها تدل على عظمة الباري، وكثرة أوصافه، وكثرة خيراته وإحسانه. وهذه السورة، فيها من الاستدلال على عظمته، وسعة سلطانه، ونفوذ مشيئته، وعموم علمه وقدرته، وإحاطة ملكه في الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية وكمال حكمته. وفيها، ما يدل على سعة رحمته، وواسع جوده، وكثرة خيراته، الدينية والدنيوية، ما هو مقتض لتكرار هذا الوصف الحسن، فقال: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا } وهي النجوم عمومها، أو منازل الشمس والقمر التي تنزلها منزلة منزلة، وهي بمنزلة البروج والقلاع للمدن في حفظها، كذلك النجوم بمنزلة البروج المجعولة للحراسة، فإنها رجوم للشياطين. { وجعل فيها سراجا } فيه النور والحرارة، وهو: الشمس. { وقمرا منيرا } فيه النور، لا الحرارة، وهذا من أدلة عظمته، وكثرة إحسانه، فإن ما فيها من الخلق الباهر، والتدبير المنتظم، والجمال العظيم، دال على عظمة خالقها في أوصافه كلها، وما فيها من المصالح للخلق والمنافع، دليل على كثرة خيراته. { وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة } أي: يذهب أحدهما، فيخلفه الآخر، هكذا أبدا، لا يجتمعان، ولا يرتفعان، { لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر ويستدل بهما، على كثير من المطالب الإلهية، ويشكر الله على ذلك، ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره، وله ورد من الليل أو النهار، فمن فاته ورده من أحدهما، أدركه في الآخر، وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل في ساعات الليل والنهار، فيحدث لها النشاط والكسل، والذكر والغفلة، والقبض والبسط، والإقبال والإعراض، فجعل الله الليل والنهار، يتوالى على العباد ويتكرران ليحدث لهم الذكر والنشاط، والشكر لله في وقت آخر، ولأن أوراد العبادات، تتكرر بتكرر الليل والنهار، فكما تكررت الأوقات، أحدث للعبد همة غير همته التي كسلت في الوقت المتقدم، فزاد في تذكرها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان لا يفتران. إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك (1) ، كما قال: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم: 33] ، وقال {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} [الأعراف: 54] وقال: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] . وقوله: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} (2) أي: جعلهما يتعاقبان، توقيتا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (3) . قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حرة (4) عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي علي من وردي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه -وتلا هذه الآية: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة [لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا] } (5) (6) . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [قوله: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} (7) ] يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير. والحسن. وقال مجاهد، وقتادة: {خلفة} أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه. هذه صفات عباد الله المؤمنين {الذين يمشون على الأرض هونا} أي: بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، كما قال: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] . فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٢١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أدرك قضاؤه في الآخر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٨٥) ↗التحرير والتنوير
وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرا لا إحالة فيه ولا بعد، كما يزعمون، فلما صار قبض الظل مثلا لمصير الناس إلى الله بالبعث وصف القبض بيسير تلميحا إلى قوله: ذلك حشر علينا يسير [ق: 44] . وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض وما هو إلا ظل. فهذان المحملان في الآية من معجزات القرآن العملية. [47] وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) مناسبة الانتقال من الاستدلال باعتبار أحوال الظل والضحاء إلى الاعتبار بأحوال الليل والنهار ظاهرة، فالليل يشبه الظل في أنه ظلمة تعقب نور الشمس. ومورد الاستدلال المقصد المستفاد من تعريف جزأي الجملة وهو قصر إفراد، أي لا يشركه غيره في جعل الليل والنهار. أما كون الجعل المذكور بخلق الله فهم يقرون به ولكنهم لما جعلوا له شركاء على الإجمال أبطلت شركتهم بقصر التصرف في الأزمان على الله تعالى لأنه إذا بطل تصرفهم في بعض الموجودات اختلت حقيقة الإلهية عنهم إذ الإلهية لا تقبل التجزئة. ولكم متعلق ب جعل أي من جملة ما خلق له الليل أنه يكون لباسا لكم. وهذا لا يقتضي أن الليل خلق لذلك فقط لأن الليل عود الظلمة إلى جانب من الكرة الأرضية المحتجب عن شعاع الشمس باستداراته فتحصل من ذلك فوائد جمة منها ما في قوله تعالى بعد هذا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ... [الفرقان: 62] إلخ. وقد رجع أسلوب الكلام من المتكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ولباسا مشبه به على طريقة التشبيه البليغ، أي ساترا لكم يستر بعضكم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٤٤) ↗