سورة الفرقان · الآية ٦٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، مسيطرا على الخلق، ولا جعله ملكا، ولا عنده خزائن الأشياء، وإنما أرسله { مبشرا } يبشر من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { ونذيرا } ينذر من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، وذلك مستلزم لتبيين ما به البشارة، وما تحصل به النذارة، من الأوامر والنواهي، وإنك - يا محمد - لا تسألهم على إبلاغهم القرآن والهدى أجرا، حتى يمنعهم ذلك من اتباعك، ويتكلفون من الغرامة { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أي: إلا من شاء، أن ينفق نفقة في مرضاة ربه وسبيله، فهذا وإن رغبتكم فيه، فلست أجبركم عليه، وليس أيضا أجرا لي عليكم، وإنما هو راجع لمصلحتكم، وسلوككم للسبيل الموصلة إلى ربكم، ثم أمره أن يتوكل عليه ويستعين به، فقال: { وتوكل على الحي } الذي له الحياة الكاملة المطلقة { الذي لا يموت وسبح بحمده } أي: اعبده وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } يعلمها، ويجازي عليها، فأنت ليس عليك من هداهم شيء، وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله، بيد الله { الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى } بعد ذلك { على العرش } الذي هو سقف المخلوقات، وأعلاها، وأوسعها، وأجملها. { الرحمن } استوى على عرشه، الذي وسع السماوات والأرض باسمه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، فاستوى على أوسع المخلوقات، بأوسع الصفات. فأثبت بهذه الآية، خلقه للمخلوقات، واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم، وعلوه فوق العرش، ومباينته إياهم. { فسئل به خبيرا } يعني بذلك نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله، وقد أخبركم بذلك، وأبان لكم من عظمته، ما تستعدون به من معرفته، فعرفه العارفون، وخضعوا لجلاله، واستكبر عن عبادته الكافرون، واستنكفوا عن ذلك، ولهذا قال: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي: وحده الذي أنعم عليكم بسائر النعم، ودفع عنكم جميع النقم. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل -يعني ابن عبيد الله -عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج (1) المدينة، فسجد له، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت" وهذا مرسل حسن (2) . [وقوله تعالى: {وسبح بحمده} ، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] (3) ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] . وقال: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] . وقوله: {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} أي: لعلمه (4) التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله: {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، {في ستة أيام ثم استوى على العرش [الرحمن] } (5) ، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين. وقوله: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه، على (6) سيد ولد آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى -فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب رد نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله، وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها (7) فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
#، قالوا: {أنسجد لما تأمرنا} [الفرقان: 60] . واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: {لما تأمرنا} [الفرقان: 60] بمعنى: أنسجد نحن يا محمد لما تأمرنا أنت أن نسجد له؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٨١) ↗التحرير والتنوير
وفرع على وصفه ب الرحمن قوله فسئل به خبيرا للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليم بتصاريف رحمته مجرب لها متلق أحاديثها ممن علمها وجربها. وتنكير خبيرا للدلالة على العموم، فلا يظن خبيرا معينا، لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموما بدليل أي خبير سألته أعلمك. وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب: «على الخبير سقطت» يقولها العارف بالشيء إذا سئل عنه. والمثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في (سقطت) . وهو أيضا أشرف لسلامته من معنى السقوط، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير، بخلاف قولهم: على الخبير سقطت، لأنها إنما يقولها الواحد المعين. وقريب من معنى فسئل به خبيرا قول النابغة: هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما إلى قوله: يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما والباء في به بمعنى (عن) أي فاسأل عنه كقول علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب خبيرا وتقديم المجرور للرعي على الفاصلة وللاهتمام، فله سببان. [60] 60] وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) لما جرى وصف الله تعالى بالرحمان مع صفات أخر استطرد ذكر كفر المشركين بهذا الوصف. وقد علمت عند الكلام على البسملة في أول هذا التفسير أن وصف الله تعالى باسم (الرحمان) هو من وضع القرآن ولم يكن معهودا للعرب، وأما قول شاعر اليمامة في مدح مسيلمة:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٦١) ↗