البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الفرقان · الآية ٥٨

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، مسيطرا على الخلق، ولا جعله ملكا، ولا عنده خزائن الأشياء، وإنما أرسله { مبشرا } يبشر من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { ونذيرا } ينذر من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، وذلك مستلزم لتبيين ما به البشارة، وما تحصل به النذارة، من الأوامر والنواهي، وإنك - يا محمد - لا تسألهم على إبلاغهم القرآن والهدى أجرا، حتى يمنعهم ذلك من اتباعك، ويتكلفون من الغرامة { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أي: إلا من شاء، أن ينفق نفقة في مرضاة ربه وسبيله، فهذا وإن رغبتكم فيه، فلست أجبركم عليه، وليس أيضا أجرا لي عليكم، وإنما هو راجع لمصلحتكم، وسلوككم للسبيل الموصلة إلى ربكم، ثم أمره أن يتوكل عليه ويستعين به، فقال: { وتوكل على الحي } الذي له الحياة الكاملة المطلقة { الذي لا يموت وسبح بحمده } أي: اعبده وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } يعلمها، ويجازي عليها، فأنت ليس عليك من هداهم شيء، وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله، بيد الله { الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى } بعد ذلك { على العرش } الذي هو سقف المخلوقات، وأعلاها، وأوسعها، وأجملها. { الرحمن } استوى على عرشه، الذي وسع السماوات والأرض باسمه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، فاستوى على أوسع المخلوقات، بأوسع الصفات. فأثبت بهذه الآية، خلقه للمخلوقات، واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم، وعلوه فوق العرش، ومباينته إياهم. { فسئل به خبيرا } يعني بذلك نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله، وقد أخبركم بذلك، وأبان لكم من عظمته، ما تستعدون به من معرفته، فعرفه العارفون، وخضعوا لجلاله، واستكبر عن عبادته الكافرون، واستنكفوا عن ذلك، ولهذا قال: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي: وحده الذي أنعم عليكم بسائر النعم، ودفع عنكم جميع النقم. { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل -يعني ابن عبيد الله -عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج (1) المدينة، فسجد له، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت" وهذا مرسل حسن (2) . [وقوله تعالى: {وسبح بحمده} ، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] (3) ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] . وقال: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] . وقوله: {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} أي: لعلمه (4) التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله: {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، {في ستة أيام ثم استوى على العرش [الرحمن] } (5) ، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين. وقوله: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه، على (6) سيد ولد آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى -فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب رد نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله، وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها (7) فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٧٩) ↗

التحرير والتنوير

58] وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) عطف على جملة قل ما أسئلكم عليه من أجر [الفرقان: 57] أي قل لهم ذلك وتوكل على الله في دعوتك إلى الدين فهو الذي يجازيك على ذلك ويجازيهم. والتوكل: الاعتماد وإسلام الأمور إلى المتوكل عليه وهو الوكيل، أي المتولي مهمات غيره، وقد تقدم في قوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله في آل عمران [159] . والحي الذي لا يموت هو الله تعالى. وعدل عن اسم الجلالة إلى هذين الوصفين لما يؤذن به من تعليل الأمر بالتوكل عليه لأنه الدائم فيفيد ذلك معنى حصر التوكل في الكون عليه، فالتعريف في الحي للكامل، أي الكامل حياته لأنها واجبة باقية مستمرة وحياة غيره معرضة للزوال بالموت ومعرضة لاختلال أثرها بالذهول كالنوم ونحوه فإنه من جنس الموت، فالتوكل على غيره معرض للاختلال وللانخرام. وفي ذكر الوصفين تعريض بالمشركين إذ ناطوا آمالهم بالأصنام وهي أموات غير أحياء. وفي الآية إشارة إلى أن المرء الكامل لا يثق إلا بالله لأن التوكل على الأحياء المعرضين للموت وإن كان قد يفيد أحيانا لكنه لا يدوم. وأما أمره بالتسبيح فهو تنزيه الله عما لا يليق به وأول ذلك الشركة في الإلهية، أي إذا أهمك أمر إعراض المشركين عن دعوة الإسلام فعليك نفسك فنزه الله. والباء في بحمده للمصاحبة، أي سبحه تسبيحا مصاحبا للثناء عليه بما هو أهله. فقد جمع له في هذا الأمر التخلية والتحلية مقدما التخلية لأن شأن الإصلاح أن يبدأ بإزالة النقص. وأمر النبيء صلى الله عليه وسلم يشمل الأمة ما لم يكن دليل على الخصوصية. وجملة وكفى به بذنوب عباده خبيرا اعتراض في آخر الكلام، فيفيد معنى التذييل لما فيه من الدلالة على عموم علمه تعالى بذنوب الخلق، ومن ذلك أحوال

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٥٩) ↗